FacebookTwitterGoogle Bookmarks

نحو مرجعية بحجم خلافاتنا المذهبية والتسميات!!

30 آب/أغسطس 2018

أوشـانا نيسـان

 

كثيراً ما نسمع من يقول، أن الاستعمار البريطاني هو مصدر شقاء مسيحي جميع بلدان الشرق الأوسط عامة ومسيحي العراق بالدرجة الاولى. ذلك بعد إصرار الاستعمار على تهميش وجود وحقوق المكونات العراقية الأصلية وعلى رأسها أبناء شعبنا الآشوري الكلداني السرياني. كل ذلك من خلال التركيز على ضرورة ترسيخ حدود الدولة العراقية منذ تشكيلها عام 1921، على تخوم آبار النفط والموارد الطبيعية الموجودة في باطن الأرض وليس وفق العلاقة أو الدينامية المتبادلة بين الجغرافيا وتاريخ حضارة وادي الرافدين كما يفترض.

اليوم ورغم مرور ما يقارب من 100 عام على مخاض تشكيل دعائم الدولة العراقية الاولى وتعقيدات النفاق السياسي المستديم، فأن تاريخ العراق بدأ يعيد نفسه بنفس الحوادث ونفس الشخوص ولربما بشكل أقسى وإن تغييرت بعض الأسماء والمسارات أو مراحل في النهج السياسي. والفارق الوحيد بين الأمس واليوم، هو فشل قياداتنا السياسية والحزبية داخل الوطن وخارجه في استغلال دور ووجود الأكثرية من أبناء شعبنا وتحديداً دور النخبة المثقفة في دول الاغتراب، بهدف تشكيل اللوبي القومي الفاعل والمتمكن على الضغط على مراكز القرارات السياسية في العالم وإجبارها على فهم قضيتنا القومية والوطنية العادلة والمشروعة داخل العراق الجديد عراق ما بعد قرن من الدكتاتورية قبل فوات الأوان.

أين يكمن الخلل؟؟

تأتي عملية تحديد الهدف واختيار الوقت المناسب للتنفيذ في طليعة العناصر التي يتشكل منها المنهج السياسي أو النضال القومي الناجح. ومن الواقع هذا يجب الاعتراف علناً، أن الخلل المتوارث ضمن مسيرتنا القومية النضالية لا يمكن حصره ضمن تعقيدات العوامل الخارجية وتداعياتها المستمرة في العراق وعلى رأسها، الصراع السياسي المستديم بين الأكثريتين العربية والكوردية أوحتى الانقسام المذهبي وتفاقم حدة الفتنة بين عرب السنة وعرب الشيعة على السلطة السياسية بعد سقوط الطاغية عام 2003، بل يتجاوز حدود التقليد المسموح به ويلامس الذات الجماعية فيما لو قدر لنا طرح الحلول والبدائل المتاحة لإعادة صياغة أجندة العمل والتوجهات الأساسية وفق نظرة جديدة وعلى رأسها:

1. غياب أجندة سياسية قومية ووطنية واضحة ومتفق على بنودها من قبل الأكثرية من القيادات الحزبية والروحية والسياسية. الأجندة التي بموجبها يمكن لقيادات شعبنا، وضعها على طاولة الدول الكبرى أو مراكز صنع القرارات السياسية في العالم. حيث المعلوم أن العالم في تغيير مستمر وان القرارات التي يتخذها البيت الأبيض الأمريكي أو الرئيس دونالد ترامب لربما تتعثر في بروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي، رغم اعتبار أمريكا زعيمة العالم. لذلك يجب توحيد الجهود والخطاب والكلمة ونبذ الخلافات الجانبية رغم صغرها في سبيل تحقيق طموحاتنا القومية - الوطنية المشروعة.

2. ضرورة فصل الدين عن العمل الحزبي في سبيل وقف مؤامرات السلطات السياسية في العراق في توظيف الدين المسيحي المقدس ورجالاته في شؤون الحكم والسياسة والمستقبل.

حيث نلاحظ هذه الأيام، بروز وجهات نظر مختلفة ولربما متقاطعة بين ما تطرحه غالبية القيادات السياسية للأحزاب والمنظمات التابعة لشعبنا الكلداني السرياني الآشوري، وما تطرحه القيادات الدينية والمرجعيات الروحية لمعظم كنائسنا المقدسة، باستثناء كلِّ من قداسة البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني كريم، وغبطة البطريرك مار إغناطيوس يوسف الثالث يونان، وسيادة المطران مار يوحنا بطرس موشي وعدد من الكهنة الذين حضروا مؤتمر بروكسل بتاريخ 28-30 حزيران 2017.

"ليس من صالح المسيحيين التخندق في تنظيمات أو مليشيات أو الاستقواء بالخارج، فقوتنا من انتمائنا الوطني وانخراطنا في كل مفاصل الحياة، المجتمعية والثقافية والسياسية، كمواطنين أكفاء ومخلصين لبلدهم.. ويضيف.. نحن لسنا مع إقامة منطقة آمنة للمسيحيين في سهل نينوى"، يقول غبطة الكاردينال مارساكو لـ(العربي الجديد) بتاريخ 27 آب الجاري. تماماً كما وقف قداسة البطريرك ماركوركيس الثالث صليوا بطريرك كنيسة المشرق الآشورية بالضد من مؤتمر بروكسل إثر طلب من الحكومة العراقية من خلال السكرتير العام للحركة الديمقراطية الآشورية بعد زيارته مع وفد من برلمان بغداد الى بروكسل، بهدف إفشال المؤتمر ودعوة الاتحاد الأوروبي جميع الأحزاب والمنظمات السياسية التابعة لشعبنا الكلداني السرياني الآشوري الى بروكسل، بهدف ايجاد حل دستوري وقانوني مشروع لقضيتنا القومية الوطنية وعلى رأسها تشكيل منطقة آمنة للمسيحيين في سهل نينوى.

صحيح يفترض بكل مواطن عراقي بغض النظر عن انتماءه القومي أو المذهبي أو حتى الايديولوجي، أن يفتخر بأنتماءه الوطني – العراقي، في حال تطبيق جوهر مفهوم المواطنة الدستورية الصحيحة والالتزام ببنود دستور علماني معولم يطّبق على الجميع ومن دون استثناء، بهدف تحقيق عدالة اقتصادية واجتماعية وانسانية، يمّكن الدستور والسلطة السياسية من مواجهة العنصرية والطائفية التي تثار داخل الوطن من قبل حفنة أو مجموعة من النواب الشوفينيين والعنصريين داخل البرلمان العراقي الجديد. ولكن هل من المعقول تحميل المواطن المسيحي الأقلوي ( الكلداني السرياني الآشوري) في العراقين القديم والجديد مسؤولية ما جرى خلال 82 عام من جرائم الدكتاتورية والقتل وتأجيل عملية دمقرطة المجتمعات العراقية تحت ظل الأنظمة العربية السنيّة، واليوم وبعد 15 عام من حكم الأكثرية الشيعية دون اللجوء الى ترسيخ بنود دستور وطني وعلماني يفلح في نشر ثقافة التسامح والعدالة والاعتراف بالآخر ونشر ثقافة حقوق الانسان العراقي بغض النظر عن انتماءه العرقي أو المذهبي؟ وهل يفترض بالمكونات غير العربية أن تنتظر 100 عام أخرى لتصحيح المسيرة؟

3. أن التعقيدات الخطيرة للمشهد السياسي العراقي وإفلاس القيادات السياسية المتصارعة على السلطة والمال خلال 15 سنة الأخيرة تظهر، مدى حاجة العراق الجديد الى رجال دولة قادرين على تقديم الحلول والمبادرات الوطنية في الوقت المناسب. عليه يفترض بقياداتنا السياسية والروحية أيضاً أن لا تتأخرا في ترسيخ مفاهيم الوحدة والانسجام واليقظة في سبيل إحباط مؤامرات بغداد القديمة الجديدة. حيث يتذكر المتابع جيداً، كيف نجحت الأنظمة المركزية في بغداد وآخرها الطغمة البعثية المجرمة في إسكات الشعور القومي المتنامي في صفوف الطلبة والمثقفين من أبناء شعبنا في جميع المراكز العلمية والأكاديمية العراقية، وآخرها إعدام كوكبة من مثقفي أبناء شعبنا الآشوري وفي طليعتهم (الشهيد يوسف توما هرمز والشهيد يوبرت بنيامين والشهيد يوخنا ايشو ججو) عام 1985.

ومن المنطلق هذا يفترض بقياداتنا الحزبية والروحية أن يتمسكا جيداً بأهداف الحرص واليقظة قبل الوقوع في شرك الحكومات العراقية الجديدة ودعواتها بالإسراع في حلحلة أزمة المكونات العرقية العراقية الأصلية. حيث يبدو واضحاً، أن الانقسام الذي أحدثه قرار الاستفتاء في الإقليم يوم 25 سبتمبر 2017، في صفوف مسيرتنا القومية – الوطنية، تجاوز حدود الأزمة المفتعلة بين كل من بغداد وأربيل بكثير. فالنهج السياسي الزوعوي المبني على توجهات رجالات السياسة العربية في بغداد العاصمة، نجح فعلاً في تمزيق صفوف وحدتنا السياسية بين بغداد وأربيل. رغم تداعيات التوجه هذا على رئيس قائمة الرافدين ضمن الانتخابات البرلمانية الأخيرة في بغداد.

وفي الختام يجب القول علناً، أن شعبنا وهو يقف على مفترق طرق تاريخي بحاجة اليوم الى مرجعية روحية وقومية بحجم مرجعية البطريرك الشهيد ماربنيامين، بإمكانها ايجاد الحلول الناجعة لجميع خلافاتنا الموروثة من جيل الى جيل وعلى رأسها خلافاتنا المصطنعة على التسمية أو المذاهب أو حتى الايديولوجيات السياسية المعاصرة.

صحيح أن الخلافات باتت تغرق أروقة أحزابنا ومنظماتنا السياسية وتهدد مستقبل وجودنا على أرض الآباء والأجداد وتحديداً بعد غياب رغبة الحوار والتفاهم عن المشهد الثقافي والفكري للأكثرية من أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري، ولكن يجب أن لا نستسلم للواقع الذي نرفضه ويجب أن نثبت للعالم من جديد، أننا نحن أحفاد أقدم إرث حضاري وانساني متكامل أعطى البشرية الكثير الكثير فلا تدعونا أن نضّيع هذا الإرث الحضاري ونخون تراثه المقدس أبداً.