FacebookTwitterGoogle Bookmarks

آشوريو ومسيحيو القامشلي: لا "للإدارة الكردية"

05 أيلول/سبتمبر 2018

سليمان يوسف يوسف

 

المرة الثانية التي ينتفض فيها آشوريو (سريان) ومسيحيو القامشلي. المرة الأولى كانت 15 أيلول 1962، يوم أغلق العسكر ناديهم (نادي الرافدين) الذي أسسوه عام 1934. اعتصم جمهور النادي أمام مكتب العميد (فرحان جرمقاني) القائد العسكري للمنطقة الشرقية. طالب المتظاهرون بفتح النادي. نددوا بانتهاكات العسكر لحقوق وحريات أبناء القامشلي. أسقطوا (جمال عبد الناصر). اعتبروا إغلاق (نادي الرافدين) من نتائج زيارته المشئومة للقامشلي إبان الوحدة. جمال، الذي زرع بذور العنصرية العرقية والكراهية الدينية في التربة السياسية والثقافية للمجتمع السوري، كان قد أوصى السلطات العسكرية المحلية، بضرورة (تقويض الوجود المسيحي) في القامشلي، بعد أن صدمه (الحضور السرياني الآشوري)، منذ أن وطأت قدميه أرض المطار، حيث استقبلته فرقة (الكشافة السريانية)، التي أدهشت جمال بأدائها وتنظيمها وزيها العسكري.

يبدو أن التاريخ بدأ يعيد نفسه على آشوريي ومسيحيي القامشلي. ففي صباح (يوم 28 آب الماضي) أقدمت ميليشيات (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي، على إغلاق المدارس الخاصة بالكنائس السريانية، وإن بدا ظاهرياً أبطال "المشهد الهوليودي" هم من ميليشيات (حزب الاتحاد السرياني). يعود تاريخ المدارس الخاصة بالكنائس (السريانية، الآشورية، الكلدانية، الأرمنية)، الى ثلاثينيات القرن الماضي. أي قبل استقلال الدولة السورية. هذه المدارس تندرج في إطار هامش الحريات الدينية. لا فضل لـ(النظام البعثي العروبي) الشوفيني، على المدارس المسيحية. فهي ليست، كما يظن ويعتقد الكثير من الأكراد وغير الأكراد، (امتيازات) منحها الرئيس الراحل (حافظ الأسد) للمسيحيين. الدولة السورية الى تاريخه لم تقدم أية مساعدات (نقدية أو عينية) للمدارس الخاصة بالكنائس، رغم دورها الكبير في نهضة وتقدم مجتمع الجزيرة، على الصعيد (الثقافي، الاجتماعي، التعليمي، التربوي). مدارس، تُعد اليوم من أبرز رموز الوجود الآشوري (سرياني/كلداني) والمسيحي عموماً في الجزيرة السورية. من هنا علينا أن نتفهم حالة الغضب والاستياء الشديدين التي عمت المجتمع (المسيحي)، عندما هددت ما يسمى بـ"الرئاسة المشتركة لهيئة التربية والتعليم في إقليم الجزيرة" التابعة لما يسمى بـ"الإدارة الذاتية الديمقراطية" الكردية، بإغلاق هذه المدارس، ما لم تخضع لقوانينها وشروطها، وما لم تتقيد بمناهجها، كبديل لمناهج الدولة السورية. رؤساء وكهنة الكنائس المسيحية في الجزيرة والفرات، ردوا على تهديدات "الادارة الكردية" في بيان لهم صدر يوم 18 آب الماضي أكدوا فيه على "رفضهم الخضوع لإملاءات سلطة الأمر الواقع وإغلاق مدارسهم واستبدال المناهج الحكومية بمناهج الإدارة". بيان الكنائس شكل حافزاً مهماً لانتفاضة السريان الآشوريين ومعهم الأرمن وبعض المتضامنين من الأخوة العرب. وقد تمكنوا في غضون ساعات من تحرير المدارس السريانية الأربعة من سطوة الميليشيات، من غير أن يهابهم الرصاص الحي، الذي أطلقه المسلحون في الهواء لتفريقهم. بهذا الانجاز أصبح يوم 28 آب 2018 بدلالاته (الوطنية والسياسية والقومية) يوماً قومياً وطنياً تاريخياً في حياة الآشوريين السوريين.

البعض، ممن لم يسُر لهم هذا الانجاز، استخف بوعي وقدرات السريان الآشوريين، بربط انتفاضتهم بألاعيب ودسائس النظام السوري. نسأل هؤلاء، ألم يكن الأولى بهذا "النظام العبقري" أن يدفع بجمهوره وطابوره، من بعثيين وغير بعثيين، للخروج بتظاهرة لتحرير(مئات المدارس والمؤسسات والدوائر والمباني الحكومية) من سيطرة ميليشيات/ أسايش (حزب الاتحاد الديمقراطي)، بدلاً من تحرير (المدارس السريانية)؟؟. السلطة التي ساومت على (المدارس والمؤسسات الحكومية)، لا يهمها مصير المدارس السريانية والمسيحية ولن تدافع عنها. الآشوريون والمسيحيون لم ينتفضوا، كما يروج إعلام (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي، دفاعاً عن مناهج البعث ونهجه الشوفيني المعادي للثقافات واللغات الأخرى الغير عربية. السريان الآشوريين انتفضوا حين أدركوا بأن مدارسهم وفعت ضحية (شريعة من لا شرعية له). انتفضوا ضد انتهاك حقوق وحريات الكنائس في إدارة مدارسها. انتفضوا ليقولوا "لا لهكذا إدارة كردية". انتفضوا للدفاع عن مستقبل آلاف الطلاب والطالبات من مختلف القوميات والديانات احتضنتهم المدارس المسيحية الخاصة. فما قيمة (الشهادة الثانوية) التي يحصل عليها الطالب بالمنهاج (الكردية أو السريانية أو الأرمنية) وأبواب (الجامعات والمعاهد والأكاديميات العلمية مسدودة بوجهه؟؟.

من الخطأ تصوير ما شهدته القامشلي يوم 28 آب الماضي على أنه صراع (كردي – آشوري). على مدى ست سنوات من عمر ما يسمى بـ"الإدارة الذاتية الديمقراطية"، الأكراد خاصة المعارضين لنهج وسياسات القائمين على هذه الإدارة، كانت معاناتهم أشد من معاناة الآشوريين. ومن الخطأ أيضاً، تصوير ما جرى على أنه صراع بين موالين للنظام السوري ومعارضين له. لأن الأحزاب المنخرطة بـ"الإدارة الذاتية" ليست على خلاف عميق مع النظام، بل هي مقربة منه وتتعاون معه بشكل أو آخر. ففي الوقت الذي اقتحم مسلحو هذه الأحزاب (المدارس السريانية)، كان وفداً عنها بدمشق يستجدي النظام (حقوقاً وامتيازات). بالمقابل، الذين انتفضوا وحرروا المدارس، كانوا من مختلف الطيف السياسي والفكري والاجتماعي، بينهم موالون وبينهم معارضون لـ"حكم الأسد". فرغم (الانقسام السياسي) الحاد، داخل المجتمع السرياني الآشوري والمسيحي، على خلفية الأزمة السورية الراهنة، قضية (المدارس المسيحية) وحدت الشارع المسيحي. لأن الجميع أدركو وتيقنوا بأن المراد من السيطرة على المدارس السريانية والأرمنية، ليس شرعنة التعليم باللغة السريانية والأرمنية، وإنما (كسر ومصادرة إرادة المجتمع السرياني الآشوري والأرمني) والمسيحي عموماً، وللقضاء على ما هو موجود (على تواضعه) من تعليم اللغة السريانية والأرمنية في المدارس الخاصة الى جانب تعليم المنهاج الحكومي. (حزب الاتحاد السرياني) ، الذي يزايد في قضية (التعليم السرياني) والحقوق القومية والثقافية للآشوريين (سريان/كلدان) هو على يقين تام بأن طالب واحد، آشوري (سرياني كلداني) أو مسيحي، لن يدخل مدرسته، إذا استبدل (مناهج الدولة السورية) بمناهج "الإدارة الذاتية".قضية التعليم، قضية (مجتمعية حقوقية قانونية فوق السياسة)، لا ترتبط بشكل مباشر بطبيعة النظام السياسي القائم في البلاد. لهذا، كان يجب تحيد (قطاع التربية والتعليم) عن الصراعات والتجاذبات السياسية والعسكرية، التي تعصف بالبلاد. وكان يجب تأجيل (قضية المناهج) الى حين اتضاح شكل سوريا الجديدة وإنجاز الحل النهائي للأزمة السورية. لكن للأسف (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي، تعاطى مع قضية التعليم، البالغة الحساسية، كمن "يضع العربة أمام الأحصنة". قيادة الحزب، وهي تأخذ من "جبال قنديل" العراقية مقراً لها، تتصرف من خلال ممثليها في المناطق الخاضعة لسيطرتها في الشمال الشرق السوري، بـ"منطق الدولة"، أي كأنها هي "الدولة الشرعية" و(الدولة السورية) زالت ولم يعد لها وجود، في حين هي قائمة ومعترف بها وبشرعيتها من قبل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. استمرار هذا (المنطق الأحادي)، الذي لا يستقيم مع الواقع ويتجاهل حقوق ومصالح الآخرين، من شأنه أن يؤجج الاحقاد العرقية والكراهية الدينية الكامنة في قاع المجتمع السوري. ناهيك عن إن منطق "الدويلة" داخل الدولة، يعزز الشكوك ويعمق المخاوف من وجود "نزعة انفصالية" وخطط لتقسيم الدولة السورية، لدى (حزب الاتحاد الديمقراطي) وحلفاءه الأمريكيين.

باحث سوري مهتم بقضية الأقليات

* نشر المقال في جريدة إيلاف الألكترونية، الثلاثاء 4 أيلول 2018.