FacebookTwitterGoogle Bookmarks

ايبي سركيس: المسرح الآشوري ذو نكهة متميزة وله مكانته وطنياً وعالمياً، وان تجاهل دوره التاريخي في بناء أمتنا وأد لثقافة شعبنا

الفنان المسرحي الآشوري ايبي سركيس لـ"بيت نهرين":

المسرح الآشوري ذو نكهة متميزة وله مكانته وطنياً وعالمياً، وان تجاهل دوره التاريخي في بناء أمتنا وأد لثقافة شعبنا

أجرى الحوار: كوريل شمعون

الفنان في سطور

عبد الأحد عمانوئيل سركيس، المعروف بـ(ايبي). مواليد 1959 الحبانية- الأنبار. خريج جامعة بغداد- كلية الادارة والاقتصاد. متزوج وله ولدان وبنت. يحب الموسيقى والشعر والمطالعة.

عرفته فتى متعدد المواهب، يجوب أزقة كمب الكيلاني مع زملائه وأصدقائه في أجواء من المرح والمودة والانسجام، ومع ذلك فقد كان أحياناً يبتعد ليتأمل ما ينتظره في المستقبل بكل ثقة وتفاؤل. إذ كان يحمل في أفكاره طموحات كثيرة ما فتأ يعبر عنها علناً، وسرعان ما يتوقف لينشغل بغيرها في أحيان أخرى. كل شئ فيه وفي مسيرته بدأ متسماً بالنقاء والوفاء وهو يتهادى كالموج الهادئ وسط كل الأعاصير وعبر كل المشاكل والصعوبات والمخاطر في تلك الأوقات. فكان مولعاً بالتمثيل الى حد العشق وهو يتابع نجوم العالم في روائع الأفلام المعروضة بدور السينما في بغداد، ناهيك عن المسرحيات والمسلسلات التي كانت تعرض على الشاشة الصغيرة.

وبمرور السنين، أصبح الفتى ايبي سركيس في دائرة الضوء، إذ سلطت عليه كل الأنظار المسرحية التي تعي مفهوم المسرح ودوره الرائد في بناء الأمم، واستطاع أن يرتقي بعطائه وإبداعه ليحتل مكانته المرموقة بين نجوم المسرح الآشوري آنذاك.

كنت تراه حين يمثل على خشبة المسرح ويجسد الشخصية أو الدور الذي يؤديه بكل براعة واقتدار، وكأنه يعزف سيمفونية رائعة مكتملة الابداع والتألق، والى جانب مهارته في الأعمال الكوميدية. فقد كان جريئاً ومتميزاً في أداء الأدوار المركبة الصعبة وعلى ندرتها.

لقد قدّم ايبي سركيس مسرحيات لا زال صداها يرن في أذهان كل المشاهدين الذين تابعوه وصفقوا له اعجاباً وهو في قمة عطائه وإبداعه المسرحي الطموح حقاً، انه ممثل بارع ومبدع من طراز نادر. جريدة "بيت نهرين" أجرت حواراً هاتفياً فنياً خاصاً معه فيما يلي نصه:

بيت نهرين: من هو ايبي سركيس؟

- أنا ايبي سركيس، ولدت في الحبانية وترعرعت في كمب الكيلاني. مارست منذ صغري لعبة كرة القدم ودخلت في الوقت نفسه الميدان الفني بالعزف على الكيتار والغناء ضمن فرقة (Top 20) الموسيقية الغربية. تخرجت من جامعة بغداد عام 1977، وهاجرت الى أميركا في نهايات العام 1980. كتبت بعض الأغاني التي غناها عدد من الفنانين الآشوريين، الى جانب كتابة بعض النصوص المسرحية. وبعد أن تركز نشاطي الفني على المسرح، قدمت العديد من الأعمال المسرحية في داخل الوطن، وما فتأت أمارس نشاطي المسرحي هنا في المهجر حتى هذه اللحظة.

بيت نهرين: هل بالإمكان ذكر الأغاني التي كتبتها وأسماء الفنانين الذين قاموا بغنائها؟

- نعم، أغنية (عدنةْا ؤذيخٍا) من أداء الفنان آشور سركيس، أغنية (اوٌرخا خشنةا) من غناء الفنان زندر ديفيد وأغنية (خوٌبا يلٍى) من غناء الفنان ميلس ايشايا.

بيت نهرين: طيب وما الذي شدك الى المسرح دون غيره؟

- بصراحة، أنا لم أخطط لكي أكون مسرحياً، بيد اني أحسست بشعور داخلي جرفني الى أعماق المسرح وكأن المسرح كان يناديني فاتحاً ذراعيه ليحتضنني، فرأيت العلاقة بيني وبينه قد أصبحت حميمة جداً بعد أن سكن في دواخلي وبات جزءاً لا يتجزأ مني. إذ أحببته وأحبني، بل اني قد تعلقت به ورأيت نفسي قد أمست مشدودة اليه أكثر من أي فن آخر. فكنت تراني أهوى الوقوف على خشبة المسرح وأعتبر ذلك على الدوام امتحاناً نهائياً لي وتداخلاً كيميائياً بين الممثل والجمهور.

 

بيت نهرين: وكيف كانت بداياتك الاولى في هذا المجال؟

- بداية حياتي المسرحية انطلقت من خلال جمعية شبابية تعني بالتعليم المسيحي اسمها (جالش) تم تشكيلها في مدرسة (التقدم الأهلية) في منطقة ساحة الطيران ببغداد. كنا مجموعة من الأصدقاء في هذه الجمعية نؤلف ونعد فيما بيننا بعض الأعمال المسرحية الكوميدية المقتبسة ونقدمها في السفرات العائلية التي كانت تقيمها الجمعية. ومن المسرحيات التي قدمناها في تلك الأوقات: حلة أبو غايب، المجبر الفني، الدكتور وغيرها.

بيت نهرين: ثم ماذا؟

- ثم شعرت بأن المسرح أخذ يكبر ويكبر في قلبي الى أن دخلت مرحلة الدراسة الجامعية، وهناك بدأن مسيرتي المسرحية الفعلية عندما زاولت العمل مع الفنان العراقي المعروف د. صلاح القصب. حيث شاركت في مجموعة من المسرحيات العراقية التي قدمت في الجامعة، وأيضاً على مسارح مراكز (رعاية الشباب). وأذكر من تلك المسرحيات: شهرزاد وشهريار، شركة أفلام والأستاذ الفاشل، وتلك كانت المحطة الاولى في حياتي الفنية المسرحية.

بيت نهرين: وماذا عن المسرح الآشوري؟.

بالنسبة لمسيرتي المسرحية الآشورية، فقد بدأت في النادي الثقافي الآثوري ببغداد عندما باشرت العمل مع المخرج الكبير يوسف نمرود المعروف بـ(أندريه)، وشاركت في معظم الأعمال المسرحية التي قدمها.

بيت نهرين: أول مسرحية آشورية شاركت فيها؟

- أول مسرحية آشورية شاركت فيها هي (طبيب رغماً عنه) من تأليف مولير وإخراج أندريه، وقام بترجمتها عن العربية الاستاذ يوسف كانون، حيث كانت من بطولة الفنان الآشوري الكبير سامي ياقو بمشاركة نخبة من الممثلين الآشوريين الشباب.

بيت نهرين: وماذا بعد ذلك؟

- بعد ذلك شاركت بكل حماس وطوعية واندفاع في العديد من المسرحيات الآشورية التي تم عرضها في النادي الثقافي الآشوري وفي مقدمتها مسرحية (مقوخةا - الصرخة) للكاتب الكبير كوريل شمعون ومن إخراج الفنان أوشانا جنو. بصراحة، لقد شكلت هذه المسرحية منعطفاً تاريخياً في مسيرتي الفنية المسرحية، وأنا لا زلت فخوراً بها لحد الآن، وقد قدمتها للمرة الثانية هنا في شيكاغو. ثم شاركت أيضاً في مسرحيات أخرى مثل (سيٌفوُ)، (ارخوٌةا)، (كلفة دعبٌديٌشوُع)، (لًا)، (رمشا سوُدنا)، (مرا دكرما)، (المسيح يصلب من جديد) التي لم يتم عرضها وفق تعليمات من الجهات الرسمية المختصة حينذاك، حيث كان من المؤمل أن تعرض على مسرح فرقة المسرح الفني الحديث في بغداد. وشاركت أيضاً في مسرحيات أخرى منها (طلٍبوةا- الخطوبة)، مهزلة الأستاذ باتلان، إضافة الى مسرحية (اسيا لا برزًيٍى- طبيب رغماً عنه).

بيت نهرين: ما أحرج موقف صادفك وأنت تمثل على خشبة المسرح أمام الجمهور؟

- في مسرحية (حلاقة أبو غايب) وعند البدء بحلاقة ذقني سينجرح وجهي بحسب النص، فأضع يدي على مكان الجرح وأقول للحلاق: لقد جرختني –طبعاً الجرح تمثيلي وليس حقيقياً- إلا أن ما حدث هو اني وضعت يدي على وجهي حسب النص، لكن "الموس" تحت يدي مباشرة وجرحت فعلاً، حيث بدأ الدم ينزف منها وبدون أن أدري، فمسحتها على وجهي لأني كنت منسجماً في دوري، وعندما نظرت الى يدي وجدت انهما مدمومة، وعلم الجمهور بذلك وبدأ يصرخ دم.. دم.. لكني أكملت دوري الى نهاية المشهد بدون توقف أو ارتباك.

بيت نهرين: وما أسعد موقف؟

- هناك مواقف عديدة، ففي حياتي العائلية كانت لحظات ولادة أولادي الثلاثة من أسعد اللحظات لدي. وبالنسبة لحياتي الفنية فقد كان أسعد موقف عندي يوم أخذني الفنان د. صلاح القصب الى مقر فرقة المسرح الفني الحديث ببغداد بهدف انضمامي اليها بعد أن عرفني شخصياً بعمالقة المسرح العراقي الفنانين يوسف العاني، قاسم محمد وزينب. ذلك اللقاء لا أستطيع أن أنساه أبداً، إذ شعرت بسعادة لا وصف لها وأنا أقف الى جانب هؤلاء الفنانين العراقيين الكبار. أما الموقف الآخر، فقد حدث عام 1996 يوم سافرت مع كامل طاقم الفرقة المسرحية من أميركا الى استراليا كي نقدم مسرحية (بيةن خدّةا) هناك والتي كانت قد نالت إعجاب الآشوريين في مناطق كثيرة من العالم، حيث تم استقبالنا بحفاوة بالغة وفي أجواء غاية في الروعة وحسن التنظيم.

بيت نهرين: ماذا عن النتاج المسرحي في المهجر؟

- بصراحة، ان النتاج المسرحي في المهجر جيد من الناحة النوعية، بيد انه شحيح من الناحية الانتاجية.

بيت نهرين: لماذا؟

- لانشغال الكوادر الفنية بظروفهم الخاصة والمهمات الكثيرة التي تتطلبها الحياة اليومية في المهجر وبالأخص في أميركا.

بيت نهرين: وهل من سبب آخر؟

- نعم، وهو عدم وجود محطات تلفزيونية تدعم الفرق والفعاليات الفنية بغية زيادة الانتاج الفني وترويجه، وخاصة ما يتعلق بالمسرح، بالرغم من سهولة هذا الدعم المتمثل بشراء الأعمال المسرحية وعرضها من على الشاشة الصغيرة. أقول بكل صراحة، ان للمسرح الآشوري نكهته المحببة، وله مكانته على الصعيد الوطني وأيضاً في معظم بلدان العالم. ان إنعدام الدعم والرعاية وتجاهل مسرحنا القومي في داخل الوطن وخارجه يعني مباشرة وأد ثقافة شعبنا في مهدها وأينما وجدت.

 

بيت نهرين: وماذا عن السينما الآشورية؟

- السينما الآشورية، من وجهة نظري، لا زالت في مراحلها الاولى، ولا أعلم بالضبط ما مجموع الأفلام التي تم انتاجها لحد الآن، لكني على يقين بأنه لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. وبالنسبة لي فقد قدمت فلمين سينمائيين الأول (اًخ مٌن خميًنيٌ) الذي شاركني بطولته الممثلون جمال نيقاديموس، ايدي خوبيار ونزار أمادون. أما الفلم الثاني فكان بعنوان (بنونْا دمًموٌنًا).

بيت نهرين: وما سبب هذه الشحة في الانتاج السينمائي؟

- السبب هو العامل المادي. فالعقبة الرئيسية في العمل السينمائي هي الكلفة المالية، حيث ان الفلم السينمائي الواحد يكلف أموالاً طائلة، والمبالغ الواردة من العرض لا يمكن أن تغطي النفقات، وهذا يعرقل نشاطنا السينمائي وتسبب في شحته، بل في انعدامه على الأغلب، أضف الى ذلك اننا –ومع شديد الأسف- لا زلنا بحاجة ماسة الى جهة قومية تتولى مهمة دعم الأعمال الفنية الآشورية، وخاصة في المهجر. أتمنى أن تنظر الجهات المعنية بعين الرعاية لكل النشاطات الفنية والاهتمام بها ونشرها، وبذلك تستطيع أن تقود عجلة الفن الآشوري نحو الرقي والتطور والنجاح المبدع المنشود.

بيت نهرين: كونك من الناشطين البارزين في ميدان السينما الآشورية، كيف تنظر الى مستقبلها؟

- بالرغم من كل الصعاب والعقبات، أستطيع أن أجزم بأن السينما الآشورية سوف تتقدم وبخطوات واسعة نحو الأمام، وذلك ما أراه وأتلمسه شخصياً هنا في أميركا، حيث ان الكثيرين من شبابنا الآشوريين يتخصصون حالياً بدراستهم الأكاديمية في قسم السينما، وهذا ما يدعو الى الفخر حقاً، إذ سيكون لنا في المستقبل القريب جمع لا بأس به من الكوادر الأكاديمية في الحقل السينمائي.

بيت نهرين: هل هناك أية طموحات أو مشاريع فنية مستقبلية لديك؟

- نعم، لدي بعض الأعمال المسرحية التي سأقدمها قريباً جداً، وحالياً أنا مرتبط بعقد عمل خارج أميركا، في يوم عودتي اليها في القريب العاجل سأباشر فوراً بالعمل المسرحي، وهذه المرة بدون أي توقف، فلدي أعمال جاهزة بهذا الخصوص. أما من الناحية السينمائية، فلا أعلم إن كانت شركة الانتاج مهيأة للقيام بالعمل الانتاجي أم لا. ووعداً مني بأني سأزود جريدة "بيت نهرين" بكل التفاصيل المتعلقة بذلك لتكون السباقة في نشر كل المستجدات التي تشهدها الساحة الفنية لشعبنا في المهجر.

بيت نهرين: هل من كلمة أخيرة؟

- مقدماً أتمنى لجريدة "بيت نهرين" الموقرة كل التقدم والازدهار، وكل حبي وتقديري لقرائها الأعزاء، وتحياتي لكل الاخوة العاملين فيها، راجياً لهم الموفقية والصحة والسعادة، وأمتنى أن يعم السلام والمحبة كل أرجاء وطننا الحبيب العراق. وأخيراً وليس آخراً أقول، حبي وتقديري للكاتب الكبير صاحب القلم الجريء كوريل شمعون الذي أكن له كل المودة والاحترام والذي استطاع بقلمه وفكره أن يضع الحجر الأساس لأهم مرحلة من مراحل حياتي الفنية قاطبة.