طباعة

العراق ينتظر رئيس وزراء يضع تاريخه قبل جغرافيته!!

20 نيسان/أبريل 2020

أوشــانا نيســان

 

708 أيام مرت على الانتخابات البرلمانية الاخيرة التي جرت في العراق، والعراقيون جميعا في أنتظار غودو، أو تشكيلة وزارية مقبولة أوحتى تكنوقراطية كما يقال، لعلها تفلح في انقاذ العراق من تداعيات المحن والازمات السياسية الصعبة التي باتت تعصف بالعراق والعراقيين من جميع الجهات. واليوم يخرج السيد مصطفى الكاظمي عن صمته بعد تكليفه من قبل رئيس الجمهورية العراقية الدكتور برهم صالح بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة في 9 نيسان الجاري، ليكون ثالث رئيس الوزراء خلال 10 أسابيع. حيث يعلن الكاظمي عن تشكيله للكابينة الورازية التي يرأسها والتي تتكون من 22 وزارة. بعدما وزع 11 وزارة بما فيها معظم الوزارات السيادية على المكون الشيعي بأعتباره الاكثرية، و6 وزارات للمكون السني بضمنها وزارة الدفاع، و4 وزارات للمكون الكوردي، ووزارة لا حظ وزارة واحدة للاقليتين المسيحية أو التركمانية، كما جاء في الخبر.

بحثت في الكتب والمقالات التي نشرها كتاب عرب نعم كتاب عرب العراق فقط، حول طبيعة المواطن العراقي ونظرته الى مستقبل دولته العراقية، فوجدت" كتاب المكاريد" لمؤلفه العراقي محمد غازي الاخرس حيث يكتب:

" أن العراقيين طائفيون وغير متسامحين.. ولا ينتظرون فرجا ولايتوقعون مخرجا"، أنتهى الاقتباس. المكاريد لمن لا يعرف اللهجة العراقية وهي تسمية مشتقة من المحكية والفصحى في ان واحد. فالمكرود باللهجة العراقية تعني قليل الحظ أو سيئه، ويرجع تاريخ الكلمة الى"مشكينو" السومرية، حسب قوله.

أذ لو رجعنا الى مضمون مقالنا ونهج رئيس الوزراء الجديد في تشكيل الكابينة الوزارية الجديدة، لوجدنا أن المساحة الممنوحة للسيد مصطفى الكاظمي، لا تتجاوز سابقاتها، لذلك سيكون الفشل حليفه لاسمح الله. حيث يبدوا أن أجتماع قادة الكتل السياسية الشيعية الرئيسية في منزل رئيس ائتلاف الفتح والامين العام لمنظمة بدرهادي العامري بتاريخ 16 نيسان الجاري، تم وضع المحاور الرئيسية لحكومة الكاظمي الجديدة أثر تخويله أستخدام كامل حريته في اختيار وزراء حكومته، كما جاء في الخبر.

الامر الذي أن دلّ على شئ فأنه يدل بحق على أن، مستقبل وحقوق ووجود المكونات العرقية العراقية الاصيلة كشعبنا الاشوري الكلداني السرياني ضمن الحكومة العراقية بات في خطر من جديد. لآن الحاكم الجديد أو" المصلح الذي يشكك في صحة نظام قديم أن يأتي للناس بنظام أصح منه" يكتب العالم الاجتماعي العراقي على الوردي. الامر الذي لم يفعله السيد مصطفى الكاظمي في كابينته الجديدة. السبب يرجع الى هاجس الخوف المترسخ لدى زعماء العرب من تاريخ الشعوب والمكونات العرقية الاصيلة ضمن البلدان المحتلة وعلى رأسها العراق الحالي. والدليل على صحة قولنا، هوطرح أو بيع معالم أقدم حضارة عراقية في وادي الرافدين في المزاد العلني، أذا تعذر تكسيرها أو شطبها نهائيا.

صحيح أن الرئيس المكلف أصّر بعد تكليفه في القول أن" السيادة خط أحمر ولايمكن التنازل عن كرامة العراق. وأن العراق للعراقيين وقرار العراق بيد أبناءه "، ولكن السؤال هو:

كيف يمكن لمواطن عراقي اصيل أو مكون عراقي غير عربي ولكنه سليل أقدم حضارة عراقية وجدت في التاريخ، أن يثق بجوهر هذه الشعارات البراقة في الوقت الذي تستكثرون عليه مقعد وزاري يتيم؟

أصل المشكلة وخلفياتها!!

لو رجعنا الى خلفيات العقلية السياسية للنظام السياسي العراقي السني خلال 82 عام من الحكم، ثم العقلية السياسية للحاكم الشيعي منذ عام 2003 ولحد الان، لظهرت لنا تداعيات العهود الاستبدادية السابقة، العنف الطائفي المفزع، الاعمال الارهابية التي تركت تأثيرات واضحة على سيكولوجية المواطن العراقي وعقلية النخبة السياسية ونهج الاخيرة في التفكير. يقال أنه سئل الحكيم الساساني ( بزر جمهر) عن سبب سقوط الإمبراطورية الساسانية أجاب بالقول : لأنهم استخدموا صغار الرجال في عظام الأمور.

حيث بدلا من تحويل التعددية أو التنوع بين مكونات الشعب العراقي الى عامل أثراء وقوة للحكومات العراقية، من خلال خلق منظومة قيم جديدة وخطاب وطني مغاير وبديل للمنظومات السياسية المتأزمة، تحاول الصفوة المنتخبة من جديد تعميق الشرخ بين المكونات العرقية والمذهبية العراقية. حيث جرت مناقشات تشكيل الحكومة الجديدة بين الكتل والقوى السياسية الكبيرة، يصّرح السيد حنين القدو النائب عن تحالف الفتح بتاريخ 14 نيسان الجاري، اما ممثلي المكونات العراقية الصغيرة فهم مهمشون تماما مستبعدون من اية مشاورات ومناقشات في تشكيلة الوزارة، وتابع من المعيب جدا ان يتم تطبيق مبدأ دكتاتورية الديمقراطية على الحلقات الضعيفة في المجتمع العراقي فيجب ان يكون لهذه المكونات مدخلات حقيقية تتعلق بموضوع العراق..ويجب أن يكون لهم دور بناء في بناء وصيانة السياسات الوطنية وصياغة الاهداف التي تحقق طموحات كل العراقيين بغض النظر عن حجم هذه المكونات"، أنتهى الاقتباس.

العراق بوضعه الحالي بحاجة الى نخبة سياسية " وطنية" تفكر أستراتيجيا وتاريخيا وليس طائفيا، ولاسيما بعدما أثبت النظام الطائفي فشله. صحيح أن الشيعة في العراق هم الاكثرية، ولكن الشيعة في العراق تمثل اليوم وتحكم بأسم جميع الشعوب العراقية. عليه يجب أعادة صياغة مفردات خطابها السياسي "الوطني" لنظام عراقي عصري، بعيدا عن تشنجات النظام السني العراقي الاسبق. لآن العراق يشكل أمتداد حضاري وثقافي عريق يفترض حمايته. وأن نهج الوطنية في العراق وتاريخه العريق في وادي الرافدين، يجب أن يحتل الاولوية أو الهدف الاستراتيجي للنظام السياسي في بغداد ونهجه في بناء دولة مدنية - علمانية يتسع صدرها لجميع الشعوب العراقية وعلى رأسها شعبنا الاشوري الكلداني السرياني الذي يعود تاريخه في العراق الى 6770 عام.وأن وطنية الاحزاب العربية العراقية الشيعية والسنية على حد سواء، ستكون على المحك، في حال الاستمرار على نهج تهميش المكونات العراقية الاصيلة ورفض اشراكها مشاركة حقيقية وفعالة في نظام الحكم والتوجه نحو بناء نظام ديمقراطي عادل ونزيه. لكي لانستمر في ترديد قول العالم العراقي علي الوردي:

" لو خيروا العرب بين دولتين علمانية ودينية لصوتوا للدولة الدينية وذهبوا للعيش في الدولة العلمانية"، يكتب العالم العراقي علي الوردي