عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.           

FacebookTwitterGoogle Bookmarks

السمفونية العرجاء والنشيد الدامي

03 أيلول/سبتمبر 2020

سركون القس بطرس جيلو

 

السمفونية هي الفرقة الموسيقية التي تتألف من مجموعة كبيرة من العازفين المتميزين وتحوي كافة الاجهزة الموسيقية الهوائية والوترية والأيقاعية والاجهزة ذات المفاتيح كالبيانو وعادة يقودها مايسترو او قائد السمفونية لتوجيه الفرقة والسيطرة على ادائها.

ولكل دولة فرقتها السمفونية الوطنية الخاصة بها والتي تقوم بعزف نشيدها الوطني بأحترافية وتعكس فلكلورها الغنائي لاحياء التراث الموسيقي لذلك البلد ليمثل كل اطيافه ومكوناته.
فالعراق اليوم هو بلد يشمل شعوب واقوام واجناس مجتمعة ومتشاركة معا ومتعايشة ضمن موقع جغرافي واحد محدد بحدود، ما يجمعهم رابط وطني واحد وهو الوطنية العراقية، فعندما تفقد الوطنية معناها فأكيد سيتحول العراق الى بلد الجهل والتناحر والاقتتال وستفقد الشراكة معناها ايضا وتتحول الى مؤامرات داخلية وخارجية لتمزق اوصال البلد ولتحوله الى دولة تحكمه مافيات بغطاء ديني مذهبي.

فمن المفروض ان يكون البلد ملك لكل المكونات المتعايشة فيه وليس حكرا لمكون واحد ومهما كان حجمه وهذا حق طبيعي فلا يجوز المفاضلة على حساب المواطنة وهذه الشراكة يجب ان تكون متساوية في الحقوق والواجبات وتكون شراكة تكافؤية وليس اقصائية لاننا لو اقصينا طرف محدد فأكيد اننا لا نستطيع ان نطالبه في مشاركتنا مستقبلا.

وبما ان العراق بلد قديم بعبق التاريخ واول الحضارات في العالم أنشأت على أرضه حضارة مابين النهرين الحضارة السومرية والبابلية الاشورية، وكانت نينوى عاصمة بلاد اشور من اجمل المدن في ذلك الزمن، فالتاريخ يقف عند معابدها ومسلاتها وطرقها ومبانيها وميادينها وساحتها التي تظهر لنا فنا معماريا ساحرا يظهر روعة حضارة بلاد اشور ولتعبر في المجمل عن تاريخها المفعم  بالعظمة والبطولة، صحيح ان كل العراقيين يفتخرون بتأريخ وحضارة بلدهم، حضارة بابل واشور العظيمه ولكنهم مع الاسف لايحترمونها لانهم يعتبرون ان انتمائهم الديني قد محى كل الانتماءات الاخرى ومن لا يحترم تاريخه لا يمكن ان يحترم حاضره.
فعندما اندحرت الامبراطورية الاشورية لجأ قسم كبير من أبنائها الى الجبال للاحتماء بها ' وانصهر جزء كبير منهم في القوميات والاجناس التي دخلت العراق نتيجة الغزوات المستمرة والتي حملت معها الافكار والايدولوجيات المتطرفة سواء دينية كانت ام قومية فابيد شعبنا تارة باسم الدين وتارة باسم القومية ولتستمر المأسي والويلات والمذابح التي مرت على امتنا الاشورية ولحد هذا اليوم، وهذا ما جعل هذه الامة العظيمة ان تصبح اقلية معدومة وضعيفة ومشردة في كل بقاع العالم، واصبحت امة بلا عنوان وبلا وطن .

فأبيد الاشوريين الذين هم اصل العراق لانهم مختلفين دينيا وقوميا وطرد اليهود العراقيين لانهم مختلفين معهم دينيا وعرقيا وسحبت جنستهم، وذبح المسيحيين والايزيديين والصابئة لاختلافهم في العقيدة والدين وكانهم دخلاء وليسوا ابناء هذا الوطن .

وذبحت الطبقة المثقفة وابيدت بحجة مخالفة الشريعة وتم اتهامهم بالالحاد والكفر .

فكيف نطالب من الذين اقصيناهم ان يكونوا شركاء معنا في الوطن ،فكيف نستطيع اقناعهم بان هذا النشيد الوطني يشملهم أيضا وهل يا ترى باستطاعتنا فعل ذلك؟

وبما ان لكل دولة في العالم لها فرقتها السمفونية الخاصة بها وهكذا للعراق ايضا فرقته السمفونية الوطنية الخاصة به وله نشيده الوطني الخاص به ايضا اسوة بباقي الدول، والذي كان من المفروض عليه ان يعكس الفلكور الشعبي والستايل او المنهج الموسيقي الخاص بالعراق والذي كان يجب ان يكون محصلة الثقافات والفنون والفلكلور لكل اطياف ومكونات الشعب العراقي، صحيح ان اكثرية الشعب العراقي هم من القومية العربية ولكن هذا لايعني ان يكون النشيد عروبيا لان في هذه الحالة انه لا يشمل سوى الجزء العربي من الشعب وكذلك يجب ان لا يكون منحاز لدين محدد لان العراق بلد متعدد القوميات والاعراق والمعتقدات..

وهذا بحد ذاته هو احد اهم اسباب فقدان الانتماء والشعور بالتهميش والاقصاء في بلد تحكمه شريعة الاكثرية والاقلية والغالب والمغلوب والناهب والمنهوب.... ومنذ تاسيس الدولة العراقية الحديثة ولحد هذا اليوم فكل السياسات التي تعاقبت في حكم العراق سواء ملكية كانت ام جمهورية او عسكرية ام حزبية واخرها المذهبية الطائفية ، فدائما كان هناك تخندق طائفي او قومي وكل الانقلابات التي حصلت في العراق لم تأتي للإصلاح بل جل غايتها هو الانتقام من الاخر المختلف عنهم قوميا او دينيا او حزبيا ومصادرة حقوقهم المشروعة كعراقيين .....وكذلك كان النشيد الوطني العراقي يتغير دائما بعدد تغير الحكومات وكان هو ايضا لا يراعي ولا يحترم مكونات الشعب فكان ينحاز لطرف واحد فقط وهو طرف السلطة .

وبما ان الموسيقى هي اللغة المشتركة للشعوب المختلفة، ومهما كان الاختلاف فالأحساس بالنغمة يكون واحد ...

فاذا كان صوت الطبل يرقصنا ...

وانين الناي يبكينا....

و صوت الكمان يعيدنا لذكريات الماضي الجميله .....

وتقاسيم العود تعيد الامل وتبحر بنا نحو المستقبل .....

وصوت البيانو يعكس مدى تفاعلنا مع الواقع.....

والة القانون بالاضافة انها تطربنا فهي بمثابة الدستور لتوجيه الفرقة الموسيقية ومن خلالها نشعر بان الاداء منضبط وموزون.

وهذا هو حال العراق اليوم يشبه الفرقة السيمفونية العرجاء اي الغير متكاملة لانها لا تمثل الكل فهي بنيت على المحاصصة وليس على حساب المواطنة

لذلك فهي لا تمثل كل اطياف الشعب العراقي.

فاذا كان اختيار العازفين ليس حسب الكفاءة او المهارة في العزف بل على حساب الاكثرية والاقلية، واذا كان قائد الاوركيسترا يختار حسب المحاصصة وحسب نصوص الشريعة وعلى ان لا يكون من اهل الذمة بنظرهم وحتى لو كان اشوريا يمثل تأريخ العراق وحضارته.
وهذا ما ينطبق على واقع العراق اليوم وهو ما جعلنا كعراقيين اليوم ان نكون شواذ عن كل بلدان العالم ...... شواذ في كل شيء شواذ في الاحساس والشعور بالواقع بل حتى شواذ مع الذات احيانا.

فأختلفت الموازين فهناك من يرقص على ايقاع السلطة !!!

وهناك من يبكي ويناجي الناي الما لما جرى وما يجري اليوم من فساد وخيانة !!!!

وهناك من يتفاعل مع الكمان ويتحسر على ماضي العراق وعظمة حضارته وما فعل به الاغراب اليوم !!!!!!

وهناك من يتامل المستقبل من خلال تقاسيم العود ويشارك مع المتظاهرين لديمومة مسيرة الشهداء وتقديم القرابين املا نحو مستقبل مشرق للأجيال القادمة .

انها حقيقة العراق اليوم وهذا هو الواقع غياب القانون والبديل دستور عنصري يخلق الفرقة والعنصرية والتناحر الطائفي لتكون النتيجة غابة وليست دولة ، وليتحول المثل الشعبي الدارج
حاميها حراميها الى واقع البلد اليوم .

فعندما يكون قائد الفرقة او المايسترو وحامي دستورها وعازف قانونها يعمل باجندات خارجية ويكون انتمائه خارج الحدود فاكيد سيعكس التفاعل مع الواقع لينتج منها منالوج نشاز، نشاز في كل شيء سواء في العزف او الرقص او الغناء.

فالرقص سيكون نشاز وكاننا نرقص في المآتم والتعازي، والعزف سيكون نشاز وغير متناغم ومرعب وكانه اصوات صليل السيوف في المعارك الخاسرة، والغناء سيكون عبارة عن صراخ وعويل ونواح وآهات غير منسقة وكانها نعيق البوم المشؤوم، لينتج نشيد وطني مرعب ومزكوم بالعنصرية يحكي تاريخ مسلسل إجرامي وخيانة وقحة وانهيار وطن.

والبكاء والنحيب سيستمر لننسى الماضي ونفقد الامل بالمستقبل ليأتي دور الة البيانو في كشف تفاعلنا مع الواقع نحو فقدان الوطنية والتمسك بالاجزاء لنسف القاسم المشترك .

وبما ان النشيد الوطني مبني على العنصرية والطائفية فاكيد انه لا يمثل كل اطياف الشعب العراقي. فالعراق اليوم يحتاج لمايسترو او لقائد شجاع وحكومة مخلصة ومدافعة عن حقوق كل العراقيين وليكون الكل تحت طائلة القانون سواسية، وان تكون المواطنة هي الاساس ، ليتمكن من دوزنة اي تصحيح المعيار النشاز في كل الة على حدى، والمحصلة سيكون عزف جميل تتناغم فيه اصوات وحماسة كل اطياف الشعب العراقي حين يرددون نشيدهم الوطني
موطني ...موطني .....