عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.           

FacebookTwitterGoogle Bookmarks

لا ترجموا الكنيسة..أنها تجمع شملنا!!

04 أيلول/سبتمبر 2020

أوشــانا نيسـان

 

رغم الحملات التاريخية الموثقة لنهج الأضطهاد الديني المنتظم من قبل الاكثرية المسلمة في الشرق ضد الوجود المسيحي، وتصاعد الزخم الشعبي للعنف ضد الكنائس المسيحية في جميع بلدان الشرق الاوسط بين الحين والاخر، ظلت أثار كنائس المشرق والشواهد التاريخية للديانة المسيحية التي بشّر بها الشعب الاشوري للمرة الاولى في التاريخ، شاهدة وتأبى الزوال في أكبر وأقدس المدن الاسلامية. هذه الحقيقة التي أن دلت على شئ، فأنها تدل، على زيف دعوات العديد من كتاب شعبنا ونهجهم غيرالمدروس في تحميل الكنيسة مصدرا لشقائهم. أو بالاحرى باعثا للظروف المتردية التي يعيشها أبناء شعبنا بجميع تسمياته في العراق أولا وفي جميع بلدان الشرق الاوسط ثانيا.

حيث يجب أن يقّركل مسيحي مؤمن بمسيحيته وهو في نهاية العقدين الاولين من بداية الألفية الثالثة للمسيحية، أن تراث وعظمة شعبنا بجميع تسمياته، جسدتها الرسالة التي بشّر بها شعبنا المسيحي شرق المعمورة وغربها. وأن التاريخ يشهد كيف أستعادت المسيحية دورشعبنا (الاشوري الكلداني السرياني) الحضاري بعدما أنهارت أمبراطوريته السياسية وصعدت أمبراطوريته الروحية لتشمل شرق المعمورة وغربها. " وأن كان معظم ما نقدره في القرن الحادي والعشرين كغربيين يعود أساسه الى المسيحية، فهل يمكن البقاء على قيد الحياة بأزالة هذا الاساس؟ يطرح التساؤل المؤرخ البريطاني توم هولاند في كتابه الموسوم " السيادة". علما أن قضية وجوب قول كلمة الحق أخلاقية ومفروضة على كل مؤمن بقضية ويجب أن تقال كالاتي:
أن كنيسة المشرق قدمت المئات أن لم نقل الالاف من زعماءها وأخرهم البطريركين الشهيدين،  مار بنيامين عام 1918 والبطريرك مار أيشاي شمعون عام 1975، على مذبحة حرية شعبنا المضطهد، ولكن هل يتحفنا التاريخ بأسم زعيم واحد أو قيادي أشوري واحد، أستشهد دفاعا عن قضية شعبه خلال نصف قرن الاخير؟ هذه التضحية والاستشهاد التي تتفق مع قول سيدنا المسيح " خَيْرٌ لَنَا أَنْ يَمُوتَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فدى الشَّعْبِ ولا تَهْلِكَ الأُمَّةُ بِأَسْرِهَا" يوحنا 11/47-54.
في حين تعودنا أن نقرأ وفي متن كل بيان صادر حول أستشهاد مواطن أشوري، أن الشهادة تعبير عن التضحية بالروح في طريق التحرر والانعتاق. وأنه ليس هناك ما هو أعظم من أن يجود الانسان بنفسه من أجل تحقيق حلمه وحلم شعبه، ولكن السؤال، لماذا لا تشمل هذه التضحية الرفيعة زعيما أو رئيسا لحزب من الاحزاب السياسية العاملة داخل الوطن وخارجه؟

هذا من جهة ومن الجهة الثانية، فأن خطاب شعبنا " الحزبي" بدأ في الاونة الاخيرة يخلو شيئا فشيئا من جميع الحقائق التاريخية التي يجب الاستفادة منها في سبيل اعادة الثقة بين القيادة والقاعدة. أذ على سبيل المثال، تصّر القيادات الحزبية "المتنفذة" لآحزاب شعبنا الاشوري، على حصر زمام الامور بيدها، في الوقت الذي يعرف القاصي والداني أن لا أحد يثق فيهم ولا حتى هم يثقون ببعضم البعض.

الواقع الذي سهل مهمة قياداتنا الكنسية في الالتصاق بهموم واوجاع شعبنا وتحديدا داخل وطن الاباء والاجداد، رغم تبجحات بعض العلمانين. أشكال الخلل الذي يمكن أجمالها من خلال بعدين:
أولهما: تعود القيادي الحزبي أن يقرأ الواقع المخييم على وجود ومستقبل شعبنا من خلال منظور حزبي ضييق لا يتجاوز المصالح الضيقة والانية لحركته السياسية. الواقع الذي يقف بوضوح وراء ظاهرة غياب الثقة بين القيادات الحزبية وجماهير شعبنا. رغم تصاعد حدة ظاهرة الهجرة المخيفة وترك الوطن بدلا من دعم وتشجيع سياسة التشبث بالارض والبقاء داخل الوطن. هذه الظاهرة التي حولت وجود الامة وتاريخها الى مجرد مطبة لتحقيق مصالح أنية وأمتيازات فردية لا أكثر ولا أقل.

أذ على سبيل المثال، أطلق غبطة البطريرك الكاردينال لويس روفائيل ساكو نداء بتاريخ 17 حزيران 2020، عنوانها" هل سيهب المسيحيون العراقيون لآجتماع يناقش أوضاعهم؟". علما أن الهدف الاساسي من وراء النداء، كان "تفعيل حضور شعبنا في الدولة والمجتمع العراقي". بالاضافة الى ضرورة تحديد التحديات وراء ظاهرة تهميش الحضور المسيحي، وبلورة رؤية واضحة وتقديم حلول للمعالجة وألية عملية للتطبيق، بالاضافة الى ضرورة تشكيل مرجعية موحدة للوجود المسيحي داخل الوطن والعالم. النداء الذي يمكن تسميته بنداء الاستغاثة لانقاذ ما يمكن انقاذه من الوجود والتشبث بالحقوق داخل الوطن، ولكن كما كان متوقعا ذهب النداء أدراج الرياح!!
ثانيهما: غياب رغبة معظم القيادات الحزبية في توحيد الخطاب السياسي وتفعيل أليات العمل القومي المشترك داخل الوطن. أذ رغم أن هبوط معدلات الوجود المسيحي في الشرق عموما وفي العراق على وجه التحديد، يشي بغياب مرجعية سياسية نزيهة، فأن الظاهرة تلك أخفقت في أيقاظ ضمير الاكثرية من القيادات الحزبية داخل الوطن. حيث مثلما أخفق نداء البطريرك في أيقاظ وعي الناس الى خطورة الوضع الذي يعيشونه داخل الوطن، بالقدر نفسه ستخفق المبادرة الوحيدة والفريدة من نوعها، تلك التي أطلقتها قيادة حزب بيت نهرين الديمقراطي في سبيل الجلوس حول طاولة البحث ونقاش وحدة الصفوف. رغم أن الهدف من المبادرة كان ولايزال، الخروج برؤية سياسية موحدة وكفيلة بتوحيد العمل القومي المشترك وايجاد ألية عصرية مجربة لانقاذ ما يمكن أنقاذه من الوجود ضمن عراق ديمقراطي عادل.

وفي الختام يجب التأكيد في القول مرة أخرى، أنه ليس لكنائسنا وتحديدا كنيسة المشرق، أي دور للدرك الذي ألت اليه التجربة الحزبية لشعبنا الكلداني السرياني الاشوري، فلماذا يرجم الحزبي بيوت الله ضمن مناسكه الحزبية يا ترى؟ في الوقت الذي يعرف المتابع، أن مصدرمشكلة المكونات والاقليات العرقية في جميع بلدان الشرق، هو أصرار الاكثريات السياسية في الشرق الاوسط، على وأد رؤية الدولة المدنية - العصرية أو أسس بناء الدولة الحديثة قبل ولادتها.