عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.           

FacebookTwitterGoogle Bookmarks

روبين بيت شموئيل: بضعة أيام مع سركون بولص في هولندا

24 أيار 2020

 بيت نهرين – عن الناقد العراقي

سنة بعد أخرى تتخافت وتيرة الاحتفاء بالمبدع الكبير الشاعر العراقي الراحل “سركون بولص” ليغفو التبر العراقي – كالعادة – تحت تراب المازوخية التاريخية والغثيان النفسي “البطولي” من التميّز. وأسرة موقع الناقد العراقي تعدّ هذا الملف احتفاء بسركون وبمنجزه الفذّ الذي لا تُستنفد كشوفات أعماقه الساحرة، تدعو الأخوة الكتاب والقراء إلى المساهمة فيه وإثرائه بما يتوفر لديهم من دراسات ووثائق وصور .

قبل ثلاثة أشهر من رحيل الشاعر العراقي الكبير سركون بولص، تسنى لي أن التقيه في هولندا عندما كان مدعوًا للمشاركة في المهرجان الشعري العالمي الثامن والثلاثين، الذي أقيم في المدينة الهولندية نوتردام للفترة من 16-22 حزيران 2007. حيث كنت طالب الدراسات العليا في جامعة (لايدن) التي حققت الحلم الذي طالما راودني، منذ أن بدأ اهتمامي بهذا الكائن الشعري العراقي، الذي توجته بإصداري مصنفًا عنه في بغداد عام 1998 بعنوان ” سركون بولص .. حياته وأدبه ” وباللغتين العربية والسريانية.

كانت (لايدن) المدينة الهولندية الجامعية التي منحت اسمها إلى إحدى جامعاتها العريقة المؤسسة منذ عام 1575م تقترب من منحي شهادة الماجستير في لغتي الأم! نعم، تصور جامعة هولندية، ومثلها العديد من جامعات العالم تمنح شهادات الماجستير والدكتوراه في اللغة الآشورية الآرامية وتفرعاتها وتسمياتها اللاحقة، في الوقت الذي تمتنع أوطانها الأم من القيام بهذا الشرف. من حسن حظ البشرية أنّ العالم المتمدن لا زال يحترم المكون الإثنو ـ ديني الذي يستخدم هذه اللغة ولهجاتها في حياته الدينية والدنيوية، ولاسيما أن المسيحية المشرقية انتشرت بواسطتها، وأن السيد المسيح الذي ارتبط تاريخ العالم بميلاده، كان قد نطق بإحدى لهجاتها.

كانت مدينتي الجامعية (لايدن) تغسل صباحاتها المنعشة يوميًا في أمواج قنواتها الأخطبوطية، وتقود حياتها الهادئة على دراجاتها الهوائية بشكل يثير الدهشة حقاً!!. الهولنديون مغرمون بالدراجات الهوائية، صغارًا وكبارًا حتى المسنين والمسنات لا يستغنون عنها!! فهي الواسطة النقلية الأكثر استخداما بينهم ربما لأنها الأرخص تكلفةً والأقل تلوثاً والأنظف بيئةً! أو ربما لأنها تزودهم بشحنات إضافية من الرشاقة والجمال. تراءى لي أني كنت المقيم الوحيد في هولندا، أو واحدًا من القلة ممن لم يمتلك دراجة هوائية، أو لم يستخدمها إلا لمامًا! فحتى الأساتذة ذكورًا واناثاً كانوا يصلون إلى كلياتهم على ظهور دراجاتهم، بلا أربطة عنق ولا هم يحزنون!، كان هندامهم المتواضع يرفدني بقرينة قوية، بل يلح عليّ لأدافع عن نفوري من استخدام الرباط، حيال إلحاح شقيقي الياس بيت شموئيل الذي كان ولا يزال، يؤنبني في مناسبة أو بدونها، لامتعاضي المزمن عن ارتدائه تلميذًا كنت أم محاضرًا. أما هل كان العالم الفيزياوي الشهير اينشتاين يستخدم الدراجة الهوائية عندما كان أستاذًا في جامعة لايدن في مطلع عشرينيات القرن الماضي؟ فهذا ما لا أعرفه لأني ببساطة لم أكن بعد!!.

كان الزمن الذي تناوله سركون بولص قبل أكثر من نصف قرن في محاضرته (الزمن في الأدب) التي ألقاها في بغداد عام 1965، ينفض من تاريخي عشرين دقيقة إلى أن أصل راجلاً طبعاً، الى محطة القطار التي تنطلق إلى كل منخفضات هولندا. يعد نظام القطارات في هولندا واحداً من أدق وأرقى الأنظمة المواصلاتية في أوروبا، وربما في العالم أيضًا. كنت أقول لسركون باللهجة الآثورية ما ترجمته: سأشرق عندك في الفندق في الساعة الفلانية والدقيقة الفلانية، طبقاً لزمن وصول القطار إذ كانت المحطة على بعد ثلاث دقائق عن مكان تواجد سركون. وعليه، كنت قادرًا على ضبط الوقت تمامًا مثلما كان يضبطه سركون في قصيدته، وفي محاضراته، وكان ذلك محط دهشته. كان يتمازح قائلاً: اسرع لنحتسي كأسًا قبل أن يفلت يوخنا جوجانا (ترجمة سركون لمشروب الويسكي جوني ووكر!!).

في اليوم الأول قبل بدء المهرجان، وصلت بمعية صديقي الآشوري إدور أوراها إلى الفندق في حوالى الساعة السابعة مساءً، إلا أننا لم نفلح برؤية سركون، إذ كان خارج الفندق في جولة مع مجموعة من الشعراء والكتاب العراقيين المقيمين في هولندا، الذين قصدوا المهرجان خصيصاً لرؤيته والوقوف على آخر إنجازاته الشعرية في قصيدة النثر. وكنت قد جلبت معي نسخةً من مؤلفي عنه الذي استعرته من الجامعة والذي كنت قد أرسلته إليها في وقت سابق، حسب طلبها للوقوف على مؤهلاتي الكتابية والبحثية. على أية حال .. لم نرَ سركون فأبقيت اسمي ورقم هاتفي والكتاب في إستعلامات الفندق. في اليوم الثاني وبحدود الساعة الرابعة عصرًا، وإذ كنت أتبادل أطراف الحديث مع بعض الأصدقاء العراقيين والآشوريين، لمحته من بعيد وهو يهم دخول القاعة المخصصة للمهرجان. أَسّرت إلى من كان واقفًا بجواري: هذا ليس سركون بولص الذي أعرف، من خلال الصور المخزونة في مخيلتي طبعًا!! هذا الجسم الهزيل المتحرك تحت هذه الألبسة الفضفاضة غير طبيعي على الإطلاق! ماذا حلّ بسركون بحق السماء؟ إنه لا يشبهه، وإلاّ أين ذهبت وسامته المحترفة؟ كنت أهذي: من سرق وجه سركون بولص السينمائي؟. تقدم سكو (كما يجزم الآثوريون اسم سركون) نحو الممر الذي تحمّل وزر قلقي، كان يرتدي قميصًا يبدو جديدًا من خلال الطويات المربعة والمستطيلة التي ميزته، وكانت الأردان سائبة، كما أن صدره كان مكشوفًا، ربما كان ذلك موديلاً جاء به سركون من إحدى غرائب عالمه! نظر إليّ بتمعن وخمّن بأني كنت بانتظاره! فأردفت بلغتنا الأم (دِاخت يوَة ..: كيف الحال …)، أجابني على الفور: روبين؟ إبتسمت، فتعانقنا طويلاً، وكأن آصرة الدم امتدت بنا إلى زمن سركون الأكدي!! وقدمته إلى بقية الأصدقاء الآشوريين الذين تجمهروا في القاعة ليتشرّفوا بمصافحته والتعرف على شخصيته. حدّقت في وجهه الذي بدأ الذبول ينخر تقاسيمه!! وتدفقت أمامي وعلى الفور، عشرات الصور المطبوعة في ذاكرتي عنه. احتضن سركون رقبتي بيده اليمنى, وبادر ليغمرني بفيض محبته، وكأنه يعرفني منذ سنوات طوال، ربما أراد أن يرد لي دينًا معنويًا تأخر عنده عقدًا من السنين!!.

على أية حال، أيقنت في قرارة نفسي، أن جسمه النحيل كان يخبئ وراءه مرضاً خبيثاً، وهذا الذبول لا يفسر إلا بذلك الألم العضال الذي لم يمهله طويلاً. إلا أنه والحق يقال كان لا يزال يتمتع بعينيين قويتين، وشاعرتين طبعاً، إذ كانت الهولنديات الجميلات الطائرات في فناء المكان بقاماتهن الرشيقات الفارهات لا تفلتن من سهام عينيه الحالمتين، قال سركون مبتسماً: روبين .. حتى الله يحب الهولنديات فجعلهن طويلات ليكن أقرب إليه.

وفي اليوم الثالث، اتصل بي سركون عن طريق استعلامات الفندق حاثاً إيّاي بالمجيء إليه إن كان لي متسع من الوقت، فوصلته بعد ساعة ونصف. تجولنا في دانهاخ، المدينة التي أثارت انتباهنا بكاتدرائياتها الضخمة، كانت بحق تحفًا معمارية فنية نادرة وإن كانت أكثرها مقفلة، أو في طريقها إلى التحوير فندقًا أو مطعمًا أو أخرى! ، حيث بدأت في السنين الأخيرة تباع لمن يدفع أكثر، بغض النظر عن هوية الدافع ودوافعه، طالما أخذ الجيب يسمو على الرأس في سوق أوروبا القريبة والمتاحة لزبائن كثر والذين غالبًا لا يهمهم السعر!!. كانت البيرة الهولندية الباردة حاضرة في جلساتنا جنبًا إلى جنب أشعارنا وهمومنا المشتركة، كنت أحاول أن اسحبه إلى مواضيع وطنية وقومية وسياسية، إلا أنه كان ينعطف إلى الأدب وهمومه حيث الحقل الذي يهمنا حسبه!.

كان سركون يفضل الشراب الهولندي الأحمر الذي كان يضع كأساً منه أمامه وغالبًا ما كان ينساه مملوءاً بعد أن يسترسل في الكلام والنقاش، كان الشعر هاجسه الأثير وجليسه الأوحد !!. قلت له في إحدى مداخلاتنا: إن خروجك المبكر من العراق كان عاملاً مهمًا في انتشارك الشعري عراقيًا وعربيًا وحتى عالميًا، بعكس جان دمو الذي بقي في العراق فدفن موهبته بكفن أسماله منذ زمن بعيد وإن مات في أستراليا عام 2003!!. شاطرني سركون الاستنتاج!.

خرجنا من جولة دانهاخ بخلاصة أننا تذوقنا من الغرب: الفن، الشعر، الحداثة، الحب، التمدن، الموسيقى والرياضة. تمكنت من خلال هذه الجولة أن أرسم صورة تليق برجل شق طريقه الإبداعي بنفسه، فهذا الرجل الذي إلتقيته للمرة الأولى والأخيرة يتمتع بقدر كبير من الإطلاع والنبوغ والحلم!!، أحسسني سركون بأنني أمام مثقف عراقي كبير حقًا .

الشيء الذي جلب انتباهي والذي لم أكن أتوقعه لدى سركون، هو إطلاعه الوافي على ما جرى لفئة من الآشوريين في صيف عام 1933، حيث وقعت مذابح سميل التي خططت لها الحكومة العراقية المتمثلة يوم ذالك بالأمير (الملك) غازي، ورئيس الوزراء عبد القادر الكيلاني، ووزير الداخلية حكمت سليمان، وبتنفيذ الجيش العراقي على أيدي قائد منطقة الشمال بكر صدقي!. كان سركون يمتلك معلومات دقيقة حول هذه المجزرة الأخرى التي حلت بشعبنا في تاريخه الحديث بعد مذابح بدرخان وسيفو، وعرفت أن مصادر إطلاعه كانت إنكليزية على الغالب.

أما حول سؤالي الدائم له هل توجد آثار أو تجليات في منجزك الأدبي متأتية من خلفيتك الآشورية؟ فقد أرشدني سركون بعد أن ناقشنا هذا الموضوع مليًا وتوقفنا في عدة محطات، إلى مقابلة معه أُجريت بالإنكليزية في نهاية التسعينات واطلعت عليها عن طريق الإنترنيت، يقول فيها: ” بلا شك، عندما كنت صغيرًا كنت أكتب بالعربية، بالرغم من إني كتبت أشياءً قليلة بالآثورية ، لكن أدركت سريعًا أن اللغة الآثورية محدودة جماهيريًا، فقد قُمعت في الشرق الأوسط حيث يتواجد أهلها. أوّل مدرسة دخلت فيها كانت في كنيسة الحبانية حيث اعتاد القس أن يدرسنا اللغة الأم، وهي لغة جميلة بل عظيمة، بعض الأحيان أشعر كأنه أكتب مرثية عن اللغة الآثورية، أرمز فيها كيف تموت وأنا أرى موتها!. ثم فهمت بعد أن انجذبت إلى اللغة العربية عندما جاءتني الموهبة، أن كل اللغات هي في الحقيقة لغة واحدة، بالنسبة لي إن الفونيم العربي هو مثل غطاء لما تحته، بمعنى إن كل اللغات القديمة في المنطقة لم تمت بل زحفت إلى اللغة العربية. عندما درست تراث اللغة العربية القديم اكتشفت أن مشاهير الشعراء العرب هم بالحقيقة آشوريون، مثل امرؤ القيس والنابغة الذبياني وغيرهم، وهذه حقائق يعرفها تاريخ الأدب العربي! وحركات الأدب العربي الكلاسيكي التي تأثرت بالثورات الشعرية في كل من سوريا عن طريق أبي تمام، وفي العراق عن طريق المتنبي، جرفت معها ماضي كل الجذور المختلطة واللغات المختلفة والثقافات المشتركة، هذا الماضي تجسد في الشعر والنثر وعليه المهم ليست اللغة بحد ذاتها بل ما تقوله اللغة. في كتبي الثلاثة الأخيرة وضعت جمل وعبارات بالآثورية مثل (شميت بابا برونا روخيت قوتشا: بسم الأب والابن وروح القدس)، كما ربطت اسم إينانا باللفظة الآثورية المستخدمة في بعض لهجاتها حتى اليوم (نانا، نانونتا) “. ويذكر إنه وظّف إحدى العلامات الآشورية الفارقة عندما دوّن أرقام فصول ديوانه الثالث (الأول والتالي) بالرموز المسمارية. يؤكد سركون: ” أنه لم يوظّف هذه العبارات لمجرد انها آثورية، فذاك يفسر بالشوفينية، أريد أن أحمّل اللغة التي أكتب بها وهي العربية في هذه الحالة، كل شيء متيسر، وهذا هو مربط الفرس وكل ما عداه هو مجرد تفاصيل، حسب معرفتي فإنه لم يعملها أحد قبلي، فهي تحتاج إلى إتقان، أي ليس مجرد أن تعملها لغرض عملها فقط، ذلك لا معنى له، بل أعملها بخلق جديد، تلك الطريقة هي التي تساهم في تنوير فكر الشعر، وإغناء اللغة “.

وفي اليوم الرابع جلسنا طويلاً في قاعة الفندق مع مجموعة من المثقفين العراقيين وبعض أصدقائي الآشوريين. بعد حين التمّ حوله كل العراقيين والعرب الذين كانوا في المكان، وبدا سركون محبوبًا جدًا يجذب إليه كل من يجالسه، يحظى باحترام الجميع، همه إيصال الأفكار الكبيرة الصادقة إلى المتلقي ورفده بالحقائق الوافية. أهم ما طرحه للحاضرين: إن زمن الأفكار الصغيرة والانفعالات الشعاراتية قد ولّى، فالقصيدة لا تعيش إلا إذا اتكأت على تجارب إنسانية صادقة ستخدم مهما كانت صغيرة. أثار انتباهي أن له حضور كثيف بين الشعراء العرب الشباب، كانوا يحترمون تجربته ويحاولون فهمها.

ثم جلسنا لوحدنا، كانت لدى سركون معلومات بوجود أغلب نتاجاته الأدبية في أرشيف مكتبتي الشخصية في العراق، فأعرب عن دهشته وإعجابه بطريقة جمعي إياها، وبالحقيقة طلب مني قصصه القصيرة إلا أنها لم تكن بمعيتي في هولندا بدءًا، ثم اني فاتحته بنيتي في طبعها في العراق في مجموعة مستقلة. فوافق سركون على ذلك شفاهًا، بل شجعني على القيام بذلك عاجلاً وقد أصدرت فعلاً كتابًا هو الثاني لي عنه وفاءً له، ولقصته القصيرة ذات الملامح المتميزة في الأدب العربي الحديث. تكلمت معه عن ظروف وفكرة إصداري كتابي الأول المنوه عنه أعلاه، كان ممتعضًا من شهادة البياتي عنه عندما قال الأخير:” إن سركون بولص من أكثر الشعراء العراقيين غير العرب إجادةً في كتابة الشعر العربي “، فسّرها سركون وكأن البياتي يقصد: كيف لرجل غير عربي أن يكتب شعرًا بالعربية ؟!!.

وتفسير سركون هذا لم يدر بخلدي أبدًا، فكان البياتي الكبير يمتدحه كثيرًا في جلساتي العديدة معه في مقهى الفينيق في العاصمة الاردنية ، أتذكر قوله: كان سركون أشطرهم (جماعة كركوك) في فهم القصيدة الحديثة وكتابتها. ثم حاول سركون تغيير الموضوع عندما طلب مني أن أقرأ له بعض قصائده التي ترجمتها إلى السريانية في كتابي المذكور، فقرأت له قصائده القصيرة بدءًا، لاحظته طوال فترة قراءة القصيدة مشدودًا إلى شعره في لغته الأم!! كان يقول بين تارة وأخرى: ” موسيقى داخلية رهيبة في السوريت “، ثم قرأت له مجموعة من قصائدي، أعجبته كما أفصح لي قائلاً: إلقاؤك مؤثر !!. وعرّجنا على علاقة اللغتين الشقيقتين العربية والسريانية ببعضهما خصوصًا بعد أن عرف بأني مقيم في هولندا لغرض إكمال دراستي العليا بلغتي الأم !!؟ قال ضاحكًا: تأتي من العراق إلى هولندا لتدرس إحدى اللغات العراقية القديمة والتي لا زالت حية !!؟.

وفي اليوم الأخير من أيام المهرجان كان موعده في إلقاء تحفة من قصائده، من على منبر المهرجان باللغة العربية والتي ظهرت ترجمتها الإنكليزية والهولندية على شاشة كبيرة تدلت من سقف المسرح. قرأ القصائد (سقط الرجل، جئت إليك من هناك، اللاجئ يحكي، كيف ولد الغناء الشرقي، تو فو في المنفى، مرثية إلى سينما السندباد، حلم الفراشة، أم آشور تنزل ليلاً إلى البئر، تمتمات من رأس أورفيوس). حضرت الأمسية الدكتورة هيلين فان دين بيرك، الأستاذة الهولندية المشرفة على أطروحتي الماجستيرية. كما حضرها حشد من الآشوريين ونخبة من الشعراء العراقيين والعرب المقيمين في هولندا.

وقبل أن يعتلي سركون منصة الشرف عرضت إدارة المهرجان صورًا ولقطات معبرة عن مشواره في الغربة، حيث قضى فترة طويلة من حياته بدأها منذ العام 1967 وإلى ذلك الحين قبل أن تنتهي بوفاته في برلين يوم 22 أكتوبر 2007 ، ووريّ الثرى في تورلوك بأميركا في 31 أكتوبر 2007. وصل سركون إلى المنصة بخطى بطيئة، إلا أنها كانت واثقة من نفسها تمامًا .. وضع أوراقه أمامه، تسنى لي بعد حين رؤيتها، كان خطه جميلاً. بدأ سركون بتلاوة قصيدته الأولى “سقط الرجل”، لأول مرة أسمعه ينشد شعرًا حيًا!! كان صوته مؤثراً وإن بدا متعبًا مرهقًا بعض الشيء!. لكن حضوره على المسرح كان عملاقًا، وإطلالته العراقية الشامخة كانت تسرق أنظار المتلقي، وتجبره على الإصغاء إلى صوت مهم في الشعرية العربية. نعم استمعت إلى سركون بخشوع وكأني في معبد آشوري مبخر بآلاف الأساطير، تتوسطه كوة شمس تُدخل الشرق كله في متاهة الهوية ونقائها، حيث تداخل الثقافات واللغات والأنبياء والطغاة. وكنت بين الحين والآخر أفسّر بعض أسماء الأمكنة والرموز إلى د. هيلين التي كانت جالسة بجانبي. طوال فترة مكوثه على خشبة المسرح، كنت أسمع أنين الوطن في حنجرة سركون، فكانت كلماته تتشظى، ويتمرد إيقاع قصيدته على جسامة الألم وحداثة النص. كنت أحس في أحشاء قصيدته صوتًا غريبًا يجيء من بعد، ويقترب إلى حلم لا يقبل أن يزحف على وطن فقد وطنه!. كان سركون لا يرغب أن يسكن في زمن القصيدة وماضيها، بل كان يخرج من زمنه ويرحل إلى أعماق الشيء حيث الحجر .

قطعًا، الأيام المعدودة التي قضيتها مع سركون بولص في هولندا على هامش مهرجان الشعر العالمي الـ (38) الذي تقيمه سنويًا مدينة روتردام المينائية، سوف لن تمحى من ذاكرتي بسهولة، بل ستبقى معي إلى أجل غير مسمى!، وأقولها بملء فمي: كنت محظوظاً جدًا بلقائه، وهنا لا بد لي أن أحصي حسنات السفر خارج الوطن، حيث فرصة الالتقاء بيسر وأمان مع أبناء الوطن وبخاصة المبدعين منهم!! أعرف تمامًا لولا فرصة تواجدي في أوروبا، لما تسنى لي التعرف على هذا الإنسان السركوني العراقي المحض، ربما لهذا السبب أو لغيره كنت قد عبأت رأس الصديق الشماس جبرائيل بفكرة ” إن السفرَ ثقافة ” من كثرة تكراري لها! بدليل إنه ما زال يرددها بإيمان مخلص كلما استضافتني ذاكرته!. ساعات طويلة وجميلة حقًا قضيتها مع سركون بولص الذي أنهكه السفر إلى موانئ الغربة، وأتعبته كما يبدو موائد الحنين إلى الوطن، خضنا خلالها نقاشات متفرقة حول الشعر العربي والآشوري وهمومهما!، خصوصًا أن نقاشًا حول أدبنا السرياني بدا ساخنًا، وأسس لمشروع قادم اقترحه سركون نفسه وهو: أن نقوم بعمل مشترك يحتضن ترجمة مختارات من الشعر السرياني الحديث إلى العربية، وتقديمه في كتاب مستقل إلى القارئ العربي، وكانت الفكرة أن أقوم أنا باختيار النصوص الخام وأترجمها أولاً، ثم يراجعها سركون وينقحها لغويًا وشعريًا، إلا أن ذلك المشروع أخذه معه إلى الأعالي!.

عاش سركون تجربة اللاوطن، منذ أن استوطن بيروت في النصف الثاني من الستينيات، فتذوق طعم الفقر، وتسكع في شوارع المتاهة، وسكن في حدائق الضياع، إلا أنه استنشق عبق لبنان المشبع بطعم البحر، وبرائحة حسناوات شارع الحمرا، وتفيأ بظلال أشجار الصنوبر التي لا زالت بلون الفلفل في منجزه الشعري وقصصه القصيرة. كان اسم سركون قد سبقه إلى عاصمة الثقافة العربية بيروت منذ أن أرسل عام 1961 ستة عشر قصيدة إلى يوسف الخال نشرها الأخير كلها في مجلته الرائدة ” شعر” مبشرًا بـ ” اكتشاف شاعر شاب يعيش في كركوك “، كانت مجلة شعر تعنى بالأدب الحديث وتتطلع إلى ثورة شعرية سرعان ما أصبح سركون بولص من فرسانها المتميزين. كان مجرد النشر في مجلة شعر اللبنانية بمثابة شهادة عليا في فن الشعر وجسرًا لبلوغ الشهرة والنجومية. ثم تغرّب أكثر عندما امتطى جواد الرحيل إلى أبعد نقطة عن حبانيته وكركوكيته فأستوطن سان فرانسيسكو التي فيها استلم رسالة مشجعة من الشاعر أدونيس عن طريق سيدة آشورية في عام 1972، وكان سركون في حينها مقطوعًا عن العالم العربي كما قال في إحدى مقابلاته. قرأ الرسالة جيدًا: ” أنت حاضر بيننا، إنك لم تكن غائبًا أبدًا، أريد منك أن ترفد مجلة (مواقف) بكل ما عندك “. وعليه أرسل سركون كل ما كان بحوزته إلى أدونيس الذي اهتم بنشرها كلها في الصحف والمجلات وفي أماكن مختلفة من بلاد العرب. كان سركون قريبًا جدًا حداثويًا وإنسانيًا من يوسف الخال المتأثر بالأدب الإنكليزي، ومن أدونيس المتأثر بالأدب الفرنسي، وما إهداؤه ديوانه الثالث إليهما مشتركين إلا عرفانًا واعترافًا بهذه الحميمية.

طرحت له مرارًا رغبتي بإجراء مقابلة مطوّلة معه تحمل في ثناياها كل تنظيره الشعري ومجمل فلسفته في الحياة، لا أمانع في نشرها في أية مجلة عربية أو عراقية أو آشورية يفضلها هو، كان يؤجل الموضوع دومًا لليوم التالي الذي لم يأتِ قط، إلا في ديوانه (الأول والتالي). فقد بدا لي أن تجربته الإبداعية أنضجت تنظيرًا شعريًا يستحق الدراسة والمتابعة، لأنه يحمل في أعماقه بعدًا غرائبيًا جماليًا آخر، وأستطيع القول إني وقفت على أسرار القصيدة الحرة الحديثة التي كان سركون يسعى إلى كتابتها من خلال نقاشاتي المكثفة معه.

كان الرجل لا يمل مني، ولا من أسئلتي وتلك كانت أفضل النعم التي تمتعت بها وأنا في حضرته. بعد أن عايشته طوال أيام المهرجان، انكشف لي معدنه النقي، وأدركت أصالة مواهبه المتعددة، وتولعه بالفن والأدب إلى حد التفاني في سبيلهما، فسركون قامة شعرية يجب على الجيل الشعري العربي القادم التفيؤ بظلالها. كانت قصيدته “سقط الرجل” تمثل تجربة عراقية خالصة لكن بعمق إنساني بحت، كأن سركون كان يود أن يعمم الألم العراقي على وجع البشرية كلها، كان يبحث عن: من هو المسؤول عن أطول حزن في التاريخ، عن المصير المظلم الذي يلف شعبًا من شعوب المعمورة، لا بل شعبًا أعطى كل ما عنده مقابل أسوأ حياة يعيشها اليوم؟ فهذا الفكر المستبد بالرأي الواحد، والمتفنن في بلع الآخر، والمستهزء بالوطن والمواطنة، مَنْ يستطيع كسر رأسه كما كسر رجليه سركون على الأقل بمنجل الشعر؟ كان سركون يُسقط قي قصيدته عشرات الانكسارات ليظفر بالحياة الحرة في وطن حر، يبنيه مواطنون أحرار بعد أن دمره ولا يزال يدمره سياسيون طائشون، أو كما وصفهم بعضهم بـ (سياسيو الصدفة)!.

هكذا وصلت آلام سركون لي في بضعة أيام هولندية قضيتها معه قبل أن يغادر الحياة التي كنت أتمنى أن تطول معه، إذ ربما كان بمقدوره أن يجيب على السؤال الصعب: هل الشعراء الكبار ورثة الأنبياء؟ كان قدر سركون أن يوقفه الموت سريعًا عن ركوب قطار الإبداع، والتواصل مع الكلمة الصادقة التي عشقها وأفنى حياته من أجلها، فكان يمتلك طموحًا جنونيًا في الشعر، يمسك بأكثر من قلم في قبضة يده، وأكثر من وعي في تجاويف رأسه! إلا أنه صار ماضياً، كما قال في قصيدته الخالدة (آلام بودلير وصلت):” أيها الماضي، أيها الماضي، ماذا فعلت بحياتنا؟

معرض الصور