عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.           

FacebookTwitterGoogle Bookmarks

تلك البلدة المسلمة التي تتكلّم السريانية

05 تموز/يوليو 2020

بيت نهرين – عن المدن

عمال الطين أو "الورقة" أو "التلييس" الذين التقيتهم أخيراً في البقاع في إحدى ورش البناء، وهم أتوا من مخيم للنازحين السوريين في محيط بلدة عرسال، بدا لي أنهم يتكلمون لغة لم أكن أتوقعها منهم، لا هي لغة قبلية ولا بدوية ولا إثنية. كان لدي فضول أن أعرف سر تلك اللغة وتكلمها، وكأنها لحظة الالتباس في هوية أشخاص. أتوقع مسبقاً أنهم ينتمون إلى العرب أو الإسلام... سألت أحدهم، وهو الذي يشرف على الورشة، أي لغة تتكلمون؟ قال السريانية... فكرت قليلاً، كيف ولماذا، هل أنتم سريان أم تعيشون بين السريان؟ وبدأ ذلك العامل الهارب من براميل بشار الأسد، يشرح لي عشق اللغة وأصولها وناسها وحياته...

قال إنه من بلدة بخعة أو الصرخة القلمونية، ومعظم سكانها، بل كلهم، من المسلمين ويتكلمون السريانية، وهي على مقربة من بلدة معلولا السورية التي تتكلم لغة المسيح أي الآرامية... هل كنتم مسيحيين وتحولتم الى الإسلام؟ سألته، فأجاب العامل:"لا"... لكن الجواب لم يقنعني، وربما العامل لا يعرف، ولا يريد أن يعرف، تحولات المجتمعات في ظل موجات تمدّد الأديان وتقلّص الحضور السرياني في سوريا ولبنان. قال عامل آخر: قد تفهم قليلاً من لغة أهل بخعة، ففيها بعض الملمح العربي، لكن لغة بلدة جابعدين السريانية تبدو أكثر أصولية...

طبعاً كنت أعرف مسبقاً أن بلدة معلولا الشهيرة بِدَيرها وراهبتها وأيقوناتها، تتكلم الآرامية، لكن المفاجئ بالنسبة إليّ أن بلدة سورية سكانها ينتمون إلى الاسلام ويتكلمون السريانية. هذا الموضوع ذكرني بفكرة "الأرمني المسلم" في تركيا التي كتبنا عنها سابقاً، ومن بين مفارقات "الأرمني المسلم"، أن سكان منطقة "الهمشين"، رغم أنهم مسلمون، فقد حافظ جزء منهم على اللهجة الأرمنية، إضافة إلى التقاليد الأرمنية. لكن أكثرية هذه الجماعة ترفض ربطها بالأرمن وتنكر أن تكون متحردة من أسلاف أرمن. ومن غير المعتاد العثور على أرمن اعتنقوا الاسلام وحافظوا على لغتهم الأرمنية الأصلية بهذا المعنى. تشكل الهمشين حالة فريدة، وفيما سعت السلطات التركية إلى إنكار الجذور الأرمنية للهمشيين، فإن الجماعات المجاورة لهم تتذكرهم كأرمن اعتنقوا الإسلام. ومن أجل البحث عن "السرياني المسلم"، لجأت إلى "العم غوغل"، الذي يقول إن اللغة الآرامية أو السريانية تراجعت أكثر عندما انتشر الإسلام واللغة العربية.
هناك طبعاً رواسب وتشابه كثير بين العربي والآرامي والسرياني. بقيت من هذا العنقود، القرى الثلاث في سوريا. بقيت معلولا وجابعدين وبخعة، تنطق بلهجة آرامية حديثة، يسمونها الآرامية الفلسطينية أو الآرامية الدمشقية. وكتُب في مكان آخر، أن في وسط بلدة بخعة، هناك كنيسة أثرية مهجورة، تُعرف بكنيسة القديس اندراوس، لها أوقاف كان بعض السكان من الروم الأرثودوكس يستغلونها قبل أن يرحلوا إلى معلولا...

وفي البلدات اللبنانية، حين نذهب لاستطلاع مفردات سكانها، نلاحظ الكثير من الكلمات من أصول سريانية، من أسماء القرى إلى طريقة اللفظ وطريقة الجمع. هي إشارة إلى أن السريانية كانت منتشرة في هذه المناطق قبل تقلصها وانحسارها.

قال لي العامل السوري إنهم يتكلمون السريانية في حياتهم اليومية منذ الطفولة، ويتعلمون العربية في المدارس الرسمية. سألته: ألا يتعرض لكم نظام البعث "العروبي" بسبب هذه اللغة؟ قال: "لا... النظام يبدو سعيداً بلغتنا"... ذكّرته بأنه الأكراد كانوا يتعرضون للقمع بسبب لغتهم، قال: "نحن بالعكس"... لكن قمع الأسد ووحشيته كانا في مكان آخر، فهو دمّر بلدة الصرخة أو بخعة بالبراميل المتفجرة، وأصبح أهلها وأطفالها في المنافي والتشرّد ومخيمات اللجوء، ولم يُسمح لأحد منهم بالعودة... مسلم يتكلم السريانية كلغة يومية، إشارة إلى الهويات المتعددة التي يحملها سكان الشرق الأوسط، وحتى إسبانيا والمغرب العربي. يمكن تشخيص هذه الهويات من خلال قراءة الروايات التي كتبت عن الموريسكييين العرب، أو ليون الافريقي، أو بعض الشخصيات اليهودية أو التركية أو الصوفية، وهي تحمل مشارب وانتماءات ولغات من هناك وهناك، تبين تداخل الثقافات والغزوات والفتوحات...

كتب الياس خوري رواية عن السريان ولغتهم، بعنوان "يالو"، ويالو هو تصغير لاسم دنيال. النقطة البارزة في الرواية هي موت اللغة. جدّ يالو، الذي كاهناً سريانياً وأرثوذوكسياً، يتكلم ويصلي باللغة السريانية، وكان مرعوباً من موت اللغة، ورأيه إن "موت اللغة هو أفدح موت". مع التذكير بأن العرب ترجموا الفلسفة اليونانية من السريانية، التي كانت لغة فلسفة.