عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.           

FacebookTwitterGoogle Bookmarks

الاستثمار التجاريّ يبتلع الأماكن التاريخيّة في مدن العراق

26 آب/أغسطس 2018

بيت نهرين- عن المونيتور: لم يطلق النائب المسيحيّ السابق جوزيف صليوا، في 6 آب/أغسطس 2018، تحذيره من تحويل مدرسة العقيدة المسيحية التاريخيّة في بغداد التي تأسّست في عام 1921، الى مركز تجاريّ، من فراغ، بعدما اعتبر "الأمر متعلّقاً بقضايا تجاريّة واقتصاديّة بحتة، تستهدف المعالم والتراث في العراق، قبل أن تكون استهدافاً للمكوّن المسيحيّ"، فيما تصاعدت في مواقع التواصل الاجتماعيّ ووسائل الإعلام الدعوة الى حماية المواقع التراثيّة من زحف المشاريع التجاريّة الاستثماريّة.

وفي تأكيد على وجود مسعى في اتّجاه هدم المدرسة، قال مدير إعلام أمانة بغداد حكيم عبد الزهرة لـ"المونيتور" إنّ "جهة مسيحيّة تقدّمت بطلب الى الجهات الفنّيّة في أمانة بغداد للسماح بإزالة كنيسة متقادمة، متذرّعة بأنّ الحاجة قد انتفت منها لعدم وجود سكّان مسيحيّين في المنطقة، وبالتالي زالت أسباب بقائها"، مؤكّداً أنّ "أمانة بغداد نفت منح رخصة إزالة المدرسة، حالها في ذلك حال المواقع التراثيّة والتاريخيّة في بغداد".

وفي حين لم يسمّ عبد الزهرة تلك الجهة، فإنّ جمعيّة راهبات التقدمة في بغداد تقول في اتّصال لـ"المونيتور" مع إدارتها، إنّ "المدرسة ملك صرف للجمعيّة، وهي مؤجّرة لوزارة التربيّة التي لم تدفع المبالغ المستحقّة عليها منذ عام 2013، وقد شكّل ذلك عبئاً ماليّاً ضخماً على الجمعيّة".

هذا التواتر في شأن مصير المدرسة، التي درست فيها وتخرّجت منها نخب سياسيّة وثقافيّة وعلميّة، منها المعماريّة العالميّة زها حديد، دفع الكاتب والإعلاميّ في شبكة الإعلام العراقيّ شمخي جبر الى قيادة حملة إعلاميّة على موقع التواصل الاجتماعيّ "فيسبوك"، حاشداً المنشورات ضدّ المشروع، ليقول لـ"المونيتور" إنّ "تضارب الأنباء حول حقيقة مشروع الـ"مول" على أنقاض المدرسة، يغطّي على حقيقة وجود عروض للاستثمار، بحسب مصادر مطّلعة، غير أنّ الجهات المستفيدة بعدما تفاجأت بالرفض الشعبيّ عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ ووسائل الإعلام، سعت الى التهرّب من المسؤوليّة".

يرى شمخي أنّه "بغضّ النظر عن حقيقة مستقبل المدرسة، إلا أنّه يكشف تجاوزات كثيرة وكبيرة على الإرث الحضاريّ والعمرانيّ والتاريخيّ لبغداد، والذي يشكّل أحد أوجهها الحضاريّة منذ مئات السنين".

يقول شمخي: "الاستهانة بهذا الإرث التعليميّ والتراثيّ، بدأ منذ عهد النظام السابق، حين تمّ تشويه إسم المدرسة التاريخيّ وتحويله الى إسم جديد هو ثانوية العقيدة للبنات"، مشيراً الى أنّ "الحلّ الأمثل هو شراء هذا الموقع من قبل الدولة وحمايته ورعايته، قبل أن يفاجئنا بمصيره كحال المعالم التاريخيّة التي تحوّلت الى مشاريع استثماريّة ومتاجر، كما حصل في منطقة القشلة، ومنطقة وزارة الدفاع في باب المعظم، كما هدّمت بنايات أثريّة في شارع الرشيد وتحوّلت الى مراكز تجاريّة حديثة، وتمّ تحويل بيوت أثريّة في منطقة البتاوين في بغداد، الى مخازن تجاريّة ومتاجر".

يقول المهندس المدنيّ في مجال الأبنيّة قحطان خيال السلطاني لـ"المونيتور" إنّ "أحد أسباب تحويل المعالم التراثيّة والتاريخيّة الى مشاريع استثماريّة، مثل الـ"مولات" والمتاجر ومراكز التسوّق، هو للتخلّص من أعباء ترميمها، لا سيّما وأنّ الكثير منها تقع في مناطق تجاريّة ومراكز المدن، ممّا يجعل منها فرصة رابحة جدّاً للاستثمار، وهو ما حصل في مناطق الحيدرخانة والميدان، ومناطق أخرى في الأعظميّة والكاظميّة وكلّها مناطق موغلة في القدم".

ويفيد قانون الآثار والتراث في المادّة 28 منه، "عدم التجاوز على المباني والأحياء التراثيّة، أو هدمها، أو إلغاء وظيفتها الأساسيّة، التي منحتها الصفة التراثيّة".

غير أنّ ذلك لم يمنع أمانة بغداد في 5 آب/أغسطس 2016 من هدم منزل تراثيّ عمره نحو مئة عام، يعود الى مؤسّس النظام الماليّ في العراق، ووزير الماليّة الأوّل في حكوماته، ساسون حسقيل في وسط بغداد.

وفي مدينة الكوفة التاريخيّة في جنوب العراق، احتجّ الجمهور في 14 حزيران/يونيو 2018، على مشروع إنشاء بناية ضخمة قريبة من مسجدها التاريخيّ الذي يعود الى أكثر من 1400 عام.

أمام هذه التداعيات السلبيّة للاستثمارات، لم تتردّد عضو لجنة الثقافة البرلمانيّة النائب السابق في البرلمان العراقيّ ميسون الدملوجي في حديثها الى "المونيتور" من "التحذير من جشع الاستثمارات الذي يساهم في تغييب الهويّات التراثيّة للمدن العراقيّة واندثارها، بسبب تهديم المعالم الأثريّة، طمعاً في المشاريع التجاريّة التي تدرّ الأموال على المستثمرين".

يعتبر مدير إعلام وزارة الثقافة والمتحدّث الرسميّ بإسمها عمران العبيدي في اتّصال مع "المونيتور"، أنّ "القانون إذا صنّف الأبنية على أنّها تراثيّة، فإنّه لا يمكن التصرّف بها وتغيير شكلها ويجب أن يكون أيّ إجراء في هذا الاتّجاه بإشراف وزارتي الثقافة، والسياحة والآثار، وهنالك لجنة مشتركة بين الوزارتين وأمانة بغداد لضمان الحفاظ على هويّة هذه الأبنية والمدن".

ويشير العبيدي الى أنّ "مسؤوليّة وزارة الثقافة تكمن في تقديم الاستشارة الفنّيّة لكيفيّة القيام بترميم هذه الأبنية، وهذه الأبنية ليست بالضرورة ملكاً لوزارة الثقافة، فبعضها تكون ملكيّتها لأمانة بغداد وبعضها لجهات أخرى"، مؤكّداً أنّ "القانون يحاسب من يقوم بإجراء ترميم لهذه الأبنية أو هدم لها أو إزالة، إن كانت مصنّفة على أنّها تراثيّة ومن دون علم الوزارة".

مقابل هذا التدفّق من الأخبار المخيّبة لآمال المتصدّين لملفّ حفظ التراث والآثار، رصد "المونيتور" مشاريع جادّة على طريق حفظ التراث في بغداد، مثل تمويل وزارة النفط إعمار مبنى تراثيّ في شارع المتنبّي، ليقول المتحدّث باسم الوزارة عاصم جهاد لـ"المونيتور" إنّ "الوزارة حريصة على تبنّي مشروع الباب الوسطاني التاريخيّ (762-768م) في بغداد وتطويره، وتحويله الى موقع سياحيّ، على الرغم من أنّ ذلك ليس من اختصاصها، لكنّ الوزارة تشعر بأنّ هذا الإنجاز مساهمة في حفظ التراث".

وأخيراً، يتطلّب الحفاظ على الفضاء التاريخيّ والثقافيّ البغداديّ، التنسيق المشترك بين وزارة الثقافة وأمانة بغداد والحكومات المحلّيّة وهيئة التراث، للحيلولة دون قرارات خاطئة تضع مشاريع الاستثمار في موقف حرج، أمام الجمهور الذي يرفض في شكل حادّ أيّ اعتداء على تراثه.