عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.           

FacebookTwitterGoogle Bookmarks

كاهن عراقي: ما نحتاجه هو تربية العراقي وتوعيته بتنوع بلده الفسيفسائي

27 آب/أغسطس 2018

الأب بولس ساتي للفادي الأقدس

بيت نهرين- عن أبونا: من يقرأ مقال البطريرك الكلداني الكاردينال مار لويس ساكو: "حيرة المسيحيين العراقيين بين البقاء والهجرة"، يرى بوضوح تمسك الأب بايمانه وايمان كنيسته وأبنائه وقلقه وطرحه لمعاناة ومستقبل شعبه في ضوء الغموض والقلق الحالي اللذان يهيمنان على البلد.

أود أن أعالج في مقالي نقطة واحدة من النقاط العديدة التي أثارها البطريرك ساكو ألا وهي: المدارس، المناهج، التربية والتعليم. فعند إطلاعي على الكتب المنهجية للعام الدراسي 2017–2018 الصادرة عن مديرية التربية والتعليم التابعة لوزارة التربية وذلك لمختلف المرحل الدراسية: الإبتدائية، المتوسطة والإعدادية بفرعيها العلمي والأدبي وكذلك فرع المتميزين لفت إنتباهي ربط كثير من الأمور بالدستور وهذا أمرُ جيد.

ولكن ما أحزنني وأثار فيّ الغضب هو التهميش المتعمد للتاريخ المسيحي الموغل في القدم. ولذكر الحق كان هناك بعض السطور والصور في كتب الإجتماعيات للصف الخامس والسادس الإبتدائي تذكر فيها أقوال المسيح عن المحبة وطلبه الغفران لصالبيه (من دون ذكر الصليب) وبعض صور للكنائس. ثم يوضح الكتاب لتلميذ الصف الخامس في الصفحة الخمسين بأن الديانة المندائية من أول وأقدم الديانات التي نادت بالتوحيد في العراق القديم دون ذكر أية ديانة أخرى!

أما لو تحدثنا عن كتب التاريخ والجغرافية فهنا يطول الحديث ولا مكان له هنا، فالكتب تذكر حضارة بلاد مابين النهرين القديمة: سومر، أكد، بابل (الأموريين دون ذكر الكلدانيين) وآشور، ثم تحدث قفزة تاريخية هائلة. لنجد أنفسنا بعد ألف ومئة عام تحت الحكم الإسلامي في الشرق الأوسط في القرن السابع للميلاد، أي منذ سقوط دولة الكلدان في بابل (والتي لا تذكر في أي كتاب مدرسي حسب إطلاعي وآمل أن أكون على خطأ) منذ سنة 538 قبل الميلاد الى معركة القادسية وسقوط المدائن سنة 637 للميلاد. بل إن كتب التاريخ متخمةُ بسرد تاريخ الأمة الإسلامية وفتوحاتها ودولاتها. فهل يعقل أن يسلب 1100 عام من تاريخنا العامر؟

هل يعرف التلميذ والطالب أو حتى المواطن العراقي ماذا حصل في هذه الألفية؟ من هي الشخصيات التاريخية التي مرت في العراق القديم؟ والكثير من الأسئلة ومنها: من أين جاء اليهود الذين كانوا موجودين بكثرة وأعطوا من صفوتهم الكثير للعراق؟ من أين جاء المسيحيون وكنائسهم وأديرتهم ومؤسسلتهم التعليمية والصحية الكثيرة التي ذكرت في كتب المنهج الدراسي وبنوا العراق القديم والحديث؟ لا بل ذكر واحد من الكثيرين المترجمين والعاملين المسيحين في دار الحكمة وغيرها (القرن الثامن للميلاد) يوحنا بن ماسويه، واسحق بن حنين ووالي الانبار أبو نوح الانباري، كإشارة للعيش المشترك والتسامح الديني! هل يعلم المواطن العراقي، والمسلم بالأخص، بأن الديانة المسيحية هي أقدم ديانة موحدة بالله ومبشرة به بين الشعوب ووصلت برسالتها الى الهند والصين بالكلمة من دون إكراه، وذلك لأن كل الديانات في مابين النهرين كاليهودية والمندائية والإيزيدية هي ديانات وراثية عائلية وليست تبشيرية.

إذا لم يعلم المواطن من هو جاره المسيحي وما هو أصله وما قدمه من تضحيات في سبيل ديانته وبلده لمدة 2000 عام كيف سيحرص عليه ويحترمه؟ لقد سئمنا من الكلام الموجه إلينا: "أنتم المكون الأصيل أنتم قبلنا أنتم أنتم..." بينما الواقع هو شيءُ آخر تماماً: المواطن العراقي من صلاح الدين جنوباً لا يستخدم كلمة مسيحيون لوصفنا بل مسيح! وهذا غيض من فيض.

فلو شرحنا العديد من الأمور التي تنبع من جهل الآخرين وعدم معرفتهم بالآخر فلن تكفي الأوراق. لأن العراقي غير المسلم ملتزم أن يعرف التاريخ الإسلامي بشقيه الديني والدنيوي، بينما المواطن العراقي المسلم ليس له أدنى علم بمن يعيش معه ومن هو شريك في وطنه ولعمري بأنه من كوكب آخر وليس سليل الحضارات التي ذكرت في الكتب.

نحن نفرح لذكر إسم المسيح واقواله ونبتهج لدى رؤية أو قراءة صور كنائسنا وأديرتنا في كتب مناهجنا الدراسية، ولكن هذه نقطة ماء على حديد ساخن، لا تطفئ بل تتبخر بسرعة شديدة ولا تترك أثراً يذكر. ما نحتاج اليه هو ثقافة التربية والتوعية بفهم العراقي والعراق بتنوعه الفسيفسائي من الصغر والمراهقة، كيما نخلق وطناً وجيلاً واعياً منفتحاً مثقفاً متعدد الثقافات والأديان مثلما كان العراق قديماً وعلى مر حضاراته.