عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.           

FacebookTwitterGoogle Bookmarks

أرمينيا المسيحيّة حكاية انبعاث أمّة: جلسة مع كبير الأساقفة

31 آب/أغسطس 2018

اكليريكية سيفان في أرمينيا (النهار).

بيت نهرين- عن النهار: شهادة من تلك الأرض المتجددة التي هزمت الموت. "في أرمينيا، نشهد انبعاثاً حقيقياً للايمان المسيحي"، وهو أمر يسعد جداً المسؤول عن العلاقات الخارجية والبروتوكول في الكنيسة الأرمينية الأرثوذكسية في أرمينيا رئيس الأساقفة ناثان. "يمكن القول ان كنيستنا، وهي إحدى أقدم الكنائس المسيحية، قد تكون اليوم، من خلال عدد مؤمنيها وكهنتها، إحدى أكثر الكنائس شباباً".

جلسة مع رئيس الأساقفة ناثان، ودرس في تاريخ الأرمن وصمودهم وعنادهم. تاريخ "قديم جداً" لشعب وكنيسة بعمر أرض خصبة، أول بلد في العالم اتخذ المسيحية ديانة له (301). والخلاصة الأولية عبرة ان "مسيرة الكنيسة الأرمينية ومصيرها مثال لاعجوبة إلهية، أعجوبة في الايمان"، على قوله. يفتح الجروح الأرمينية تجاه اللاعدالة والاضطهاد، ويصارح بالكثير، موجها رسالة الى العالم. "فقط معاً... نغيّر".

خسائر وتحديات

أولاً، الكنيسة في أرمينيا "وضع جيد" حالياً، بتعبيره. يلتفت الى الماضي القريب، ويقف عند محطة غيّرت وجه الأمّة: "إبادة الأرمن" خلال القرن العشرين. "خلال هذه الإبادة، تكبدت الكنيسة الأرمينية خسائر كبيرة جداً، وخسرت آلاف الكنائس، مؤمنين وصروحاً. خسرت أيضاً آلافاً من رجال الاكليروس، وأساقفة وكهنة ورؤساء أساقفة قُتِلوا أو هُجِّروا"، على ما يقول.

ضربة جديدة أخرى، موجعة. "بعد الإبادة، وقعت أرمينيا تحت سيطرة الشيوعية، كمنطقة خاضعة للاتحاد السوفياتي. وحصلت أيضاً اضطهادات وصعوبات جديدة"، على ما يضيف. خلال هذه الحقبة، "صمدت الكنيسة في أرمينيا، في شكل محدود جداً. والشكر لله انها لم تقفل، وكانت تعمل ولكن بطريقة محدودة جداً".

 

رئيس الأساقفة ناثان (النهار).

أعوام صعبة انتهت بانهيار الاتحاد السوفياتي، ونيل أرمينيا استقلالها عام 1991. "بهذا الاستقلال، واجهت البلاد تحديات جديدة، وحقبة جديدة للكنيسة الأرمينية". ويصارح رئيس الأساقفة ان "صعوبات كثيرة، اقتصادية وسياسية، عاناها الأرمن خلال الأعوام الـ28 الماضية، لكن لدينا ديموقراطية حالياً، وبلد يمكن أن تكون فيه الكنيسة حرة وتحقق مهمتها الرسولية بالكامل".

يقرأ في مسيرة أرمينيا "تحديات جديدة"، ولكن أيضاً "تجديد الكنيسة وإعادة بنائها"، مع تصميم على "بناء كنائس جديدة، وترميم المتضررة منها، واستعادة كل الصروح التي خسرتها". وتبقى "تنشئة رجال دين جدد لها" في طليعة الاهتمامات. لمحة سريعة تعكس الوضع. "حالياً، تضمّ الاكليريكية الرئيسية 120 طالباً في الكهنوت، وتؤمّن دروساً خاصة للكهنة المتزوجين، تمتد على سنتين أو 3 سنوات. وفي اكليريكية سيفان، لدينا 80 طالباً. كذلك، لدى الكنيسة مدارس خاصة، بمثابة ثانويات برعايتها، وتتمركز في أديرة، وتضم طلاباً يافعين يتم تعريفهم، عبر دروس خاصة، الى الكنيسة وعقائدها وتقاليدها. وهؤلاء هم الطلاب المستقبليون في اكليريكيات الكنيسة...". إحدى هذه المدارس تقع قرب المقر الرئيسي للكنيسة في اتشميادزين، و"تضم حالياً نحو 600 طالب"، وتتمتع "ببناء جديد، عصري، حديث".

خلال الأعوام الـ18 او الـ19 الماضية، رسمت الكنيسة "نحو 350 كاهناً جديداً". "هذا الرقم جيد، لكنه ليس كافياً، لأن الحاجات تستوجب عدداً أكبر من الكهنة لتلبيتها"، على قوله. أياً يكن، فان هذا العدد يرسم ملامح كنيسة تنتعش، تستعيد حياتها وناسها وقوتها. "في أرمينيا، نشهد انبعاثاً حقيقياً للايمان. وأنا سعيد للغاية بأن الكنيسة تمتلىء بشباب يأتون اليها، ليس كمتفرجين أو زوار، بل كمؤمنين حقيقيين، أبناء ايمان حقيقيين. لذلك، يمكن القول ان الكنيسة الأرمينية، إحدى أقدم الكنائس المسيحية، قد تكون اليوم، من خلال عدد مؤمنيها وكهنتها، إحدى أكثر الكنائس شباباً. وهذه سعادة كبيرة، لأنه لا يمكن أن تكون هناك كنيسة من دون شباب. ولا يمكن أن يكون هناك شباب من دون كنيسة، على قول بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الأنبا شنودة الثالث الراحل". ويتدارك: "هذا هو الواقع في أرمينيا".

 

مؤمنون أرمن في دير غيغارد (النهار).

 

عاملة في مدرسة اقيمت في دير حريشافانك (النهار).

العدالة

كنيسة قائمة من حقبات "الموت"، مستعيدةً شبابها، مناضلة من أجل شعبها وقضاياه، أولها "الإبادة الأرمينية". نسأل رئيس الأساقفة عن شعور الكنيسة تجاه أي نقص في تحقيق العدالة للأرمن بهذا الخصوص، ويجيب: "أولاً، عدم اعتراف كل دول، لا سيما الديموقراطية والكبيرة منها، بالإبادة الأرمينية، مثال صارخ على اننا نحتاج الى عدالة أكثر. ثانياً، عواقب هذه الإبادة هائلة، بحيث ان مئة سنة ليست شيئاً لعلاج هذا الألم".

والألم "حقيقي"، بتعبيره. يذهب الى أبعد من الحدود الأرمينية، و"لسوء الحظ نواجه حالياً، في أماكن أخرى، إبادات جديدة". بالنسبة الى الكنيسة الأرمينية، "الاعتراف بالإبادة الأرمينية يعني منع جرائم مماثلة في العالم. لذلك سنبقى نطالب دائماً بالاعتراف، ليس بالإبادة الأرمينية فحسب، إنما أيضاً بكل الإبادات الأخرى التي نشهدها". ويتدارك: "انه تحد كبير للانسانية. ولسوء الحظ، ليست ربما كل البلدان أو الشعوب متحدة معاً في مواجهة هذه الجرائم".

واقع يدرك رئيس الأساقفة أبعاده وأثقاله. ويوجه رسالة ملحة الى العالم. "فقط معاً، يمكن الانسانية أن تمنع جرائم مماثلة. فقط معاً. وعلينا القيام بذلك، خصوصاً المسيحيين، كما المسلمين، لأن المؤمن الحقيقي لا يمكن أن يقتل انساناً آخر أبداً".

 

ساحة "الجمهورية" في يرفان (النهار).

كيف يمكن المسيحيين الشرقيين في الكنائس الشرقية في الشرق الأوسط، أن يساعدوا في هذا الشأن؟ يجيب: "أولاً، يجب أن نفهم أن مساعدة الآخر في الحصول على العدالة يعني أن نساعد أنفسنا في تحقيقها لنا. ونحن نحتاج الى ذلك. ولسوء الحظ، هناك نقص في العدالة في كل مكان. كل شخص، خصوصاً في الشرق الأوسط، يحتاج الى هذه العدالة".

خسارة مسيحيي الشرق

مسيحيون مضطهدون في بلدانهم الشرق أوسطية، نازحون، مهددون، خائفون... والموقف حازم. العدالة هي "لكل شخص"، على ما يشدد ناثان. في رأيه، "من الضروري دعم المسيحيين المضطهدين، المحتاجين، أكانوا في العراق أم سوريا أم بيت لحم، أم في أي مكان آخر. هذا واجبنا. أن يكون المرء مسيحياً يعني أيضاً أن يصلي من أجل الآخر، من أجل بعضنا البعض. والصلاة تعني المحبة. واجبنا إذاً المحبة. وعلينا أن نحب بعضنا البعض، كما يحبنا الآب السماوي، بلا حدود".

أحوال مسيحيي الشرق يتابعها رئيس الأساقفة باهتمام مقرون بقلق إزاء "تراجع أعدادهم وخسارتهم". "نخسرهم حالياً لسوء الحظ، بسبب الأوضاع السياسية أحياناً، وأحياناً أخرى لأن الايمان أصبح إداة للاضطهاد، سلاحاً في اللعبة السياسية. في هذه الحال، لا سيما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نخسر المسيحيين، ونراهم يهربون. وبات هناك لاجئون كثر منهم، الى جانب لاجئين من انتماءات أخرى. إنها مشكلة كبيرة للانسانية أولاً، لأن كل لاجىء هو انسان خلقه الله".

تجاه هذا الواقع المضطرب، ثمة حاجة، في رأيه، الى "تغيير الوضع السياسي". كيف؟ "مجدداً، فقط معاً، بنية طيبة تجاه بعضنا البعض"، على ما يضيف.

معاً. العمل يداً بيد يروق لرئيس الأساقفة ناثان. مع إحياء الذكرى الأربعين للحوار المسكوني بين الكاثوليك والأرثوذكس السنة المقبلة، يبقى "متفائلاً، لا سيما تجاه أي مشكلة نواجهها". في الحركة المكسونية "المتنامية"، بتعبيره، تبدي "الكنيسة الأرمينية مسكونية وانفتاحاً كبيرين" على بقية الكنائس. أحد الأمثلة المستحضرة سريعاً، استقبال الكنيسة وفوداً كنسية من مختلف الكنائس، منها وفد من مجلس رؤساء الكنائس الشرقية الرسولية في أستراليا ونيوزيلاندا وممثلين لها في أواخر حزيران الماضي. الكلمة المفتاح التي يشدد على أهميتها، "المحبة".

دروس التاريخ يتوّجها رئيس الأساقفة ناثان بـ"عبرة يقدمها الشعب الأرميني الى العالم عبر نضاله. وهي ان مسيرة الكنيسة الأرمينية ومصيرها مثال لأعجوبة الهية، أعجوبة في الايمان". ويتدارك: "تمسكوا بالله وابقوا معه، وسترون طرقكم الخاصة تتحقق".