لماذا اصبح المسيحيون أقلية

المسيحية تعتبر من ثاني أكبر الديانات في العراق بعد الأسلام، حيث كان المسيحيون بأعداد كبيرة في العديد من محافظات العراق ( بغداد، الموصل بما بها سهل نينوى، البصرة، البصرة، كركوك، وكردستان، والقليل منهم في محافظات أخرى بمقتضى اعمالهم ومصالحهم. عاش ابناء العراق بمختلف قومياته وطوائفه التعايش السلمي في فترة من الزمان، لا توجد التفرقة والعنصرية والطائفية، ولم يذكر سابقاً بأن المسيحين من ضمن الأقليات في العراق إلا بعد تهجيره ومنذ بداية القرن العشرين في مجزرة سميل في شمال العراق حيث غادرت آلاف المسيحين وتم النزوح إلى سوريا، ومن ثم تلتها الحالة الأقتصادية التي تعرض لها العراق بعد الحصار والذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية على البلاد في حرب الخليج، ومن ثم غزو العراق عام 2003، حيث بدأت بوادر أنتشار الطائفية والعنصرية من قبل منظمات أسلامية متطرفة، في هذه الفترة بدأ أستهداف المسيحين وأصبحوا هدف لهجمات متكررة شنتها الجماعة الأرهابية ومنها تنظيم القاعدة بالتهديد والقتل والخطف وتفجير الكنائس مما أدى إلى مغادرتهم البلاد إلى دول العالم، وأزداد بشكل كبير نزيف الهجرة عام 2014 أبان دخول تنظيم الدولة الأسلامية (داعش الارهابي)، حيث غادر المسيحيين من محافظة الموصل إلى أقليم كردستان، والبعض منهم غادر البلاد إلى دول العالم ليحصل على الأمان وحقوق الأنسان. ترك أبناء شعبنا أراضيهم وديارهم وممتلكاتهم وذكرياتهم وتاريخهم الذي يتحدث عن أصالتهم ووجودهم كمكون أصيل في ارض العراق وخاصة محافظة نينوى ليبحثوا في في دول المهجر عن الطمأنينة والأستقرار والمستقبل لاولادهم. كان عدد المسيحيين في العراق قبل عام 2003 مليون ونصف نسمة، لكن هذه النسبة أنخفضت إلى 250 الف تقريباً، وبحسب احصائية نشرها الموقع الرسمي للبطريركية الكلدانية في 26 تموز 2023 فأن عدد المسيحيين العراقيين حتى العام 1997 كان مليوناً و262 الف نسمة، أي مايعادل 4% من عدد نفوس العراقيين، وقبل عام 2003 كانوا نحو مليون ونصف مليون من 25 مليون عراقي، وبدأت الأعداد تتناقص بسبب النزوح والهجرة والحوادث المفتعلة خاصة ما حدث في قرى سهل نينوى أدى لأزدياد الهجرة إلى خارج العراق، ومنها حادثة فاجعة الحمدانية الذي أودى بحياة 134 شخصاً وأصيب 150 بجراح متنوعة، حيث غادر الكثير منهم نتيجة الحالة النفسية التي واجهتهم من جراء هذا الحادث المأساوي الأليم. عندما تزور بعض دول الغرب في زيارة إلى الأهل والأقارب تشاهد الأعداد الكبيرة من المسيحين الذين هاجروا من العراق تاركين ديارهم وذكرياتهم سعياً للأمان وحياة يسودها النظام والعيش الرغيد بعيداً عن القلق والخوف من التهديدات المستمرة والعنف والتهميش من جراء التفرقة الطائفية والعنصرية المنتشرة في البلاد. تلك الاعداد الهائلة في كل دولة لو جمعت وعملنا أحصائية لهم مع مسيحي العراق والذين ما يزالون يعيشون في مدن العراق، لعلم الجميع بأننا لسنا أقلية، فأن ما تبقى في العراق أطلق عليه هذه التسمية ليحدد من حقوقه وضمن التشريعات العراقية التي تعطي نسبة محددة للأقليات للمشاركة السياسية في الانتخابات، وهنا يبدأ التنافس للحصول على المقاعد والمناصب في البرلمان العراقي للذين ينتمون لاحزاب مسيحية مختلفة . مسيحيوا العراق لهم جذور عميقة في البلاد ويعتبرون الجزء الأساسي من أرث العراق الثقافي والأجتماعي والوطني، اصحاب حضارات عريقة، حيث يعود وجودهم للقرن الأول الميلادي على يد الرسول توما أحدى تلاميذ السيد المسيح ورفاقه، ينتمي الشعب المسيحي لطوائف متنوعة كالكلدان والسريان والآشوريين والأرمن، وبعض المواقع التاريخية التي لازالت شاهدة على وجودهم رغم تحديات التهجير والنراعات التي تعرضوا لها، وماتزال بعض الطوائف المسيحية تحتفظ بمواقعها التاريخية وموروثها الثقافي، كالأديرة والكنائس التي تشهد عراقة المسيحية في أرض بلاد الرافدين. تاريخ المسيحية يشهد خلال العصور والقرون التي توالت على العراق بأنه مكون أصيل وحضارات وادي الرافدين السومرية والكلدانية والآشورية اكبر شاهد على وجود هذا المكون منذ آلاف السنين في البلاد. المسيحية ليست أقلية ولكن اطلقت التسمية بعد ممارسة وسائل البطش والتهميش لحقوقهم ومكانتهم بين أبناء المجتمع وتهجيرهم الى البلدان المختلفة في اصقاع العالم، مما أدى إلى تراجع أعدادهم عام بعد عام ولا أمل في رجوعهم، رغم حنينهم المستمر لوطنهم العراق، لكنهم استقروا مع ابنائهم واصبحت العودة للوطن مستحيلة إلا القليل منهم من يفكر في طريق العودة. لانرضى بكلمة الأقلية أننا مكون من مكونات العراق الذي يتميز بتنوعه الجميل كباقة ورد تضم مختلف أنواع الزهور الجميلة بألوانها الزاهية، وما أجمل الفرحة التي غمرتنا جميعاً عند أعادة بناء وترميم كنائس الموصل الذي هدمها تنظيم داعش الأرهابي، حيث شهدت الموصل لحظة تاريخية حيث اشترك الجميع في عرس الأفتتاح من مختلف الطوائف والقوميات، وهذا اكبر دليل يعبر عن أستمرار وجود المسيحيه في ارض الاجداد، وصمود الايمان المسيحي في مواجهة الارهاب وكل من يحاول تهميش حقوقنا وتحديدها ضمن إطار الأقلية.